فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 879

وَيَحْصُلُ لَهُ مَعَ ذَلِكَ أَجْرُ سُؤَالِهِ الشَّهَادَةِ وَمَعَ ذَلِكَ غُسِّلَ وَصُلِّي عَلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الشُّهَدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هُوَ شَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ.

وَبَقِيَ هُنَا بَحْثَانِ (أَحَدُهُمَا) اسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ سُؤَالَ الشَّهَادَةِ وَهِيَ قَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ وَقَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَحْصُلُ فِي الْحَرْبِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقِتَالِ غَيْرِ تَعَمُّدِ الْكَافِرِ أَوْ قَتْلِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ الشَّهَادَةَ لَهَا جِهَتَانِ: إحْدَاهُمَا حُصُولُ تِلْكَ الْحَالَةِ الشَّرِيفَةِ فِي رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ الْمَسْئُولَةُ وَالثَّانِيَةُ قَتْلُ الْكَافِرِ وَهُوَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَقْتُولٌ مِنْهُ فِي حِينِ جَاءَ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ.

(الْبَحْثُ الثَّانِي) التَّمَنِّي بِمِثْلِ ذَلِكَ جَائِزٌ بَلْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى قَدَّمْنَا تَمَنِّي الشَّهِيدِ فِي الْآخِرَةِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدُّنْيَا وَهُوَ دَلِيلٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ التَّمَنِّي فِي مِثْلِ قَوْلِهِ {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} وَفِي الْأَحْكَامِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه وَلَوْلَا أَنَّ التَّمَنِّي حَرَامٌ لَتَمَنَّيْنَا هَذَا هَكَذَا يَعْنِي فِي أَنَّ الْعَرَبَ يَسْتَرِقُونَ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَتَمَنَّى أَنَّ الْخَمْرَ لَمْ يُحَرَّمْ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

(الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ) الطَّاعُونُ نَسْأَلُ اللَّهُ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ {الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ} وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَخِي أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ {اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِكَ بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ} حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ {أَنَّهُ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ} . وَفِي رِوَايَةٍ فِي غَيْرِ الْمُسْتَدْرَكِ {إنَّمَا وَخْزٌ مِنْ الشَّيْطَانِ} وَالْوَخْزُ طَعْنٌ لَيْسَ بِنَافِذٍ. وَبِهَذَا تَبَيَّنَ مُشَارَكَتُهُ لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ مِنْ كَافِرِ لِمُسْلِمٍ بَلْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُ الشَّيْطَانُ وَالشَّيْطَانُ إنَّمَا يُعَادِي الْمُسْلِمَ عَلَى الْإِسْلَامِ فَكَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى طَعْنِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ لِعُمَرَ رضي الله عنه وَهُوَ فِي حُكْمِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الشَّهِيدِ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هُوَ شَهِيدٌ فِي الْآخِرَةِ وَيَحْصُلُ لَهُمْ تِلْكَ الْحَالَةُ الشَّرِيفَةُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا. وَأَمَّا الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَالْحَدِيثَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا مِنْ مُسْلِمٍ فِي تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ لَيْسَ فِيهِ لَفْظٌ وَإِنَّمَا وَرُتْبَةُ الْقَتْلِ فِي الْجِهَادِ، نَعَمْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا {يَغْفِرُ اللَّهُ لِلشَّهِيدِ كُلَّ ذَنْبٍ إلَّا الدَّيْنَ} وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ اللَّامُ لِلْعَهْدِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي اسْمِ الشَّهِيدِ وَهُوَ شَهِيدٌ فَدَخَلَ الْخَمْسَةُ فِي الْمَغْفِرَةِ وَهُوَ الْمُعْتَقِدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الْأَحَادِيثِ تُشْعِرُ بِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الِاحْتِمَالَ نَفْيًا لِلْقَطْعِ وَإِذَا كُنَّا لَا نَقْطَعُ فِي شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ فَفِي هَذَا أَوْلَى. وَفِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ فِي الطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ تَايِيدٌ لِمَا قُلْنَاهُ فِي جَوَابِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَدْعُ بِذَلِكَ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ لَا يَبْعَثَ عَلَيْهِمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِهِمْ وَلَا مِنْ تَحْتَ أَرْجُلِهِمْ. وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ {الطَّاعُونَ وَخْزٌ} ؛ وَوَقَعَ لِلسَّلَفِ خِلَافٌ فَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ أَنَّهُ وَخْزٌ فَقَالَ شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ: إنَّهُ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ. وَأَمَّا أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْمَطْعُونِ الرِّضَا أَوْ الصَّبْرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت