وَمَالَهُ فَإِنْ أَبَوْا الْإِجَابَةَ إلَى الْإِسْلَامِ دَعَوْهُمْ إلَى الذِّمَّةِ إلَّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ (لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ) فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا اسْتَعَانُوا بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى قِتَالِهِمْ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ إلَى أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ وُجُوبًا سَوَاءٌ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ أَمْ لَا، مَا لَمْ يُعَاجِلُونَا بِالْقِتَالِ أَوْ يَكُونُ الْجَيْشُ قَلِيلًا، قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَانَتْ إغَارَةُ سَرَايَاهُ عليه الصلاة والسلام. وَلِلْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِقَوْلِهِ: أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ لَا يُدْعَوْنَ قَبْلَ الْقِتَالِ، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا نَادِرًا بَعِيدًا. وَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ فَإِنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْهُمْ لَا يُدْعَوْنَ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ دُعِيَ قَبْلَ الْقِتَالِ، قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُحَارِبَ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلَا الْإِسْلَامُ، وَلَا أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى، قَدْ بَلَغَتْ الدَّعْوَةُ كُلَّ أَحَدٍ، فَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ دَعَا فَلَا بَاسَ.
قال تعالى: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) الأنفال
قال القرطبي رحمه الله:
الآيتان: 65 - 66 {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون، الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين}
قوله تعالى:"يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال"أي حثهم وحضهم. يقال: حارض على الأمر وواظب وأكب بمعنى واحد. والحارض: الذي قد قارب الهلاك، ومنه قوله عز وجل:"حتى تكون حرضا" [يوسف: 85] أي تذوب غما، فتقارب الهلاك فتكون من الهالكين."إن يكن منكم عشرون صابرون"