فهرس الكتاب

الصفحة 832 من 879

وَاخْتَلَفَا تَحَقُّقًا وَتَقْدِيرًا فَاسْتُعِيرَ الْحَدَثُ الْمُحَقَّقُ لِلْحَدَثِ الْمَفْرُوضِ وَاشْتُقَّ مِنْهُ مَاتَ بِمَعْنَى فُرِضَ مَوْتُهُ، أَوْ فَسَرَى التَّشْبِيهُ لِمَا فِي ضِمْنَيْ الْفِعْلَيْنِ وَاسْتُعِيرَ الْفِعْلُ الدَّالُّ عَلَى الْحَدَثِ الْمُحَقَّقِ لِلْمَفْرُوضِ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى أَحَدِهِمَا مَا يُرَتَّبُ عَلَى الْآخَرِ فَيَعْزِلَ الْكَاتِبَ الْمَفْرُوضَ مَوْتُهُ وَيَسْتَغْنِي عَنْهُ كَمَا يَفْعَلُ فِيمَنْ تَحَقَّقَ مَوْتُهُ وَهَذَا مِنْ قَضَايَا عُمَرَ الْعَجِيبَةِ كَمَا فِي بَيَانِهِ الصَّبَّانِ وَالْأُنْبَابِيِّ عَلَيْهَا قَالَ الْأُنْبَابِيُّ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْأَلْفَاظِ فِي مَعَانِيهَا الْفَرْضِيَّةِ مَجَازِيٌّ وَهُوَ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ الْأُمُورُ الْخَارِجِيَّةُ إمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَدْلُولَهَا الْأُمُورُ الذِّهْنِيَّةُ فَلَا يَظْهَرُ إلَّا إنْ قُلْنَا إنَّ مُرَادَهُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ مَاتَ فِي الْمَوْتِ الْفَرْضِيِّ مَجَازٌ بِالِاسْتِعَارَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ مُلَاحَظَةُ عَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْتِ الْمُحَقَّقِ لِيُرَتَّبَ عَلَى الْأَوَّلِ مَا يُرَتَّبَ عَلَى الثَّانِي فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَوْتِ الْفَرْضِيِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ لِتَحَقُّقِ الْمَاهِيَّةِ الذِّهْنِيَّةِ فِيهِ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالًا حَقِيقِيًّا نَظِيرُ مَا قَالَهُ حَفِيدُ السَّعْدِ فِي اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ فِي أَحَدِ مَعَانِيهِ وَإِنْ كَانَ مَا هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ الْمَعْنَوِيِّ لِوَضْعِهِ لِلْحَقِيقَةِ الذِّهْنِيَّةِ الْمُتَحَقِّقَةِ فِي الْأَفْرَادِ الْحَاصِلَةِ بِالْفِعْلِ فِي الْخَارِجِ وَفِي الْأَفْرَادِ الْفَرْضِيَّةِ ا هـ بِتَصَرُّفٍ. قُلْت: وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَدْلُولَ الْأَلْفَاظِ الْأُمُورُ الذِّهْنِيَّةُ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ فِي الْمَوْتِ الْفَرْضِيِّ مَجَازًا بِالِاسْتِعَارَةِ نَظِيرُ مَا لِحَفِيدِ السَّعْدِ فِي الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمَعْنَوِيَّ فِي أَفْرَادِهِ حَقِيقَةً مُطْلَقًا أَمَّا عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ إنَّهُ مَذْهَبُ الْأُصُولِيِّينَ الَّذِي لَا يَعْرِفُونَ خِلَافَهُ مِنْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمَعْنَوِيَّ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهَا مَجَازٌ وَمِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا أَفْرَادٌ حَقِيقَةً فَلَا يَظْهَرُ إلَّا أَنَّ كَوْنَهُ فِي الْمَوْتِ الْفَرْضِيِّ مَجَازٌ مُرْسَلٌ عَلَاقَتُهُ الْإِطْلَاقُ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ هَذَا وَبِالْجُمْلَةِ فَبِرُّ الْكُفَّارِ وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ مَامُورٌ بِهِ وَوُدُّهُمْ وَتَوَلِّيهِمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَهُمَا قَاعِدَتَانِ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ وَالْأُخْرَى مَامُورٌ بِهَا وَقَدْ اتَّضَحَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالْبَيَانِ وَالْمَثَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وقال ابن تيمية:

لَكِنَّ نَذْرَ الْمَعْصِيَةِ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَنَذْرُ الْمُبَاحِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ،

وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ أَيْضًا. وَحُكْمُ الشُّرُوطِ فِيهِ يُعْرَفُ بِذِكْرِ أَصْلَيْنِ: أَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا وَقَفَ الْوُقُوفَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِيَنْتَفِعَ بِثَوَابِهِ، وَأَجْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ إلَّا بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ. لِهَذَا فَرَّقَ بَيْنَ مَا قَدْ يُقْصَدُ بِهِ مَنْفَعَةُ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ مَا لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ. فَالْأَوَّلُ: كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ، فَهَذَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَبْذُلَ مَالَهُ فِيهَا لِيُحَصِّلَ أَغْرَاضًا مُبَاحَةً دُنْيَوِيَّةً، وَمُسْتَحَبَّةً وَدِينِيَّةً، بِخِلَافِ الْأَغْرَاضِ الْمُحَرَّمَةِ. وَأَمَّا الْوَقْفُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْذُلَ مِلْكَهُ إلَّا فِيمَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ؛ فَإِنَّهُ إذَا بَذَلَهُ فِيمَا لَا يَنْفَعُهُ فِي الدِّينِ، وَالْوَقْفُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الدُّنْيَا، صَارَ بَذْلُ الْمَالِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ؛ لَا فِي دِينِهِ، وَلَا فِي دُنْيَاهُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَلِهَذَا فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ وَعَلَى جِهَةٍ. فَلَوْ وَقَفَ أَوْ وَصَّى لِمُعَيَّنٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا ذِمِّيًّا لِأَنَّ صِلَتَهُ مَشْرُوعَةٌ. كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي مِثْلِ قوله تعالى {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} ، وَمِثْلُ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت