تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ {حَرْسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا، وَيُصَامُ نَهَارُهَا} . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: {أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: لَا تَسْتَطِيعُ. قَالَ: أَخْبِرْنِي. قَالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ، وَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَذَلِكَ الَّذِي يَعْدِلُ الْجِهَادَ} . وَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ سِيَاحَةً، وَسِيَاحَةُ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، لَمْ يَرِدْ فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَفَضْلِهَا، مِثْلُ مَا وَرَدَ فِيهِ، فَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ، فَإِنَّ نَفْعَ الْجِهَادِ عَامٌّ لِفَاعِلِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَمُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لَهُ، وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ، وَذِكْرِ اللَّهِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ، عَلَى مَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَمَلٌ آخَرُ. وَالْقَائِمُ بِهِ مِنْ الشَّخْصِ وَالْأَمَةِ بَيْنَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ دَائِمًا، إمَّا النَّصْرُ وَالظَّفَرُ، وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ، ثُمَّ إنَّ الْخَلْقَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَحْيَا وَمَمَاتٍ، فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ فِي غَايَةِ سَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِي تَرْكِهِ ذَهَابُ السَّعَادَتَيْنِ أَوْ نَقْصُهُمَا، فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَرْغَبُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّدِيدَةِ فِي الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا، مَعَ قِلَّةِ مَنْفَعَتِهَا، فَالْجِهَادُ أَنْفَعُ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ عَمَلٍ شَدِيدٍ، وَقَدْ يَرْغَبُ فِي تَرْقِيَةِ نَفْسِهِ حَتَّى يُصَادِفَهُ الْمَوْتُ، فَمَوْتُ الشَّهِيدِ أَيْسَرُ مِنْ كُلِّ مَيْتَةٍ، وَهِيَ أَفْضَلُ الْمَيْتَاتِ.
بَابٌ فِي الْجِهَادِ وَأَحْكَامِهِ
(الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى (كُلَّ سَنَةٍ) فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ سَنَةً (كَإِقَامَةِ الْمَوْسِمِ) بِعَرَفَةَ وَالْبَيْتِ وَبَقِيَّةِ الْمُشَاهَدِ كُلَّ سَنَةٍ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِي. (عَلَى الْمُكَلَّفِ) مُتَعَلِّقٌ بِفَرْضِ (الْحُرِّ) دُونَ الرَّقِيقِ (الذَّكَرِ) لَا الْأُنْثَى (الْقَادِرِ) لَا الْعَاجِزِ عَنْ ذَلِكَ بِفَقْدِ قُدْرَةٍ أَوْ مَالٍ. (كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ) فَإِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، أَيْ غَيْرُ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْهَا، وَهِيَ: فَنُّ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، لِأَنَّ فِي الْقِيَامِ بِهَا صَوْنًا لِلدِّينِ، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ بِهَا: قِرَاءَتُهَا وَحِفْظُهَا وَتَدْوِينُهَا وَتَهْذِيبُهَا وَتَحْقِيقُهَا، وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوٍ وَمَعَانٍ وَبَيَانٍ، لَا عُرُوضٍ وَبَدِيعٍ، وَلَا هَيْئَةٍ وَمَنْطِقٍ. (وَالْفَتْوَى) وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ. (وَالْقَضَاءِ) وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، (وَالْإِمَامَةِ) الْعُظْمَى أَيْ الْخِلَافَةِ مِنْ عَالِمٍ عَدْلٍ فَطِنٍ ذِي هِمَّةٍ قُرَشِيٍّ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يُعْزَلُ إنْ زَالَ وَصْفُهُ مَا لَمْ يَعْزِلْ نَفْسَهُ، بِخِلَافِ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ وَخَانَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ. (وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ. (وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) وَهُوَ مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ طَلَبًا جَازِمًا كَالصَّلَاةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ. (وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ) وَهُوَ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ جَزْمًا فَرْضُ كِفَايَةٍ. (وَالشَّهَادَةُ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً فَرْضُ كِفَايَةٍ، (وَالْحِرَفِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حِرْفَةٍ وَهِيَ الصَّنْعَةُ (الْمُهِمَّةِ) الَّتِي بِهَا صَلَاحُ النَّاسِ؛ كَالْقِيَانَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالنِّجَارَةِ،