فهرس الكتاب

الصفحة 433 من 879

روى مسلم عن هشام بن حكيم بن حزام ومر على ناس من الأنباط بالشأم قد أقيموا في الشمس - في رواية: وصب على رؤوسهم الزيت - فقال: ما شأنهم؟ فقال يحبسون في الجزية. فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) . في رواية: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه فحدثه فأمر بهم فخلوا. قال علماؤنا: أما عقوبتهم إذا امتنعوا من أدائها مع التمكين فجائز، فأما مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم، لأن من عجز عن الجزية سقطت عنه. ولا يكلف الأغنياء أداءها عن الفقراء. وروى أبو داود عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة) .

قوله تعالى:"عن يد"قال ابن عباس: يدفعها بنفسه غير مستنيب فيها أحدا روى أبو البختري عن سلمان قال: مذمومين. وروى معمر عن قتادة قال: عن قهر وقيل:"عن يد"عن إنعام منكم عليهم، لأنهم إذا أخذت منهم الجزية فقد أنعم عليهم بذلك. عكرمة: يدفعها وهو قائم والآخذ جالس وقال سعيد بن جبير. ابن العربي: وهذا ليس من قوله:"عن يد"وإنما هو من قوله:"وهم صاغرون".

روى الأئمة عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى واليد العليا المنفقة والسفلى السائلة) وروى: (واليد العليا هي المعطية) . فجعل يد المعطي في الصدقة عليا، وجعل يد المعطي في الجزية سفلى. ويد الآخذ عليا؛ ذلك بأنه الرافع الخافض، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، لا إله غيره.

عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن أرض الخراج يعجز عنها أهلها أفأعمرها وأزرعها وأؤدي خراجها؟ فقال: لا. وجاءه آخر فقال له ذلك فقال: لا وتلا قوله تعالى:"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر"إلى قوله:"وهم صاغرون"أيعمد أحدكم إلى الصغار في عنق أحدهم فينتزعه فيجعله في عنقه وقال كليب بن وائل: قلت لابن عمر اشتريت أرضا قال الشراء حسن. قلت: فإني أعطي عن كل جريب أرض درهما وقفيز طعام. قال: لا تجعل في عنقك صغارا. وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما يسرني أن لي الأرض كلها بجزية خمسة دراهم أمر فيها بالصغار على نفسي.

وقال ابن كثير رحمه الله:

وقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاَخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} فهم في نفس الأمر لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاءوا به وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه لا لأنه شرع الله ودينه، لأنهم لوكانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه فلما جاء وكفروا به وهو أشرف الرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت