فهرس الكتاب

الصفحة 527 من 879

الْجِهَادُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ، وَمَنْ كَانَ عَاجِزًا بِنَفْسِهِ مُعْدَمًا فَعَلَيْهِ الْجِهَادُ بِالنُّصْحِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِ: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ} . وقوله تعالى: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ} مَعَ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدِهِمَا: خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ إلَى الْمُبَاحِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فَرْضُ الْجِهَادِ، وَالْآخَرِ: أَنَّ الْخَيْرَ فِيهِ لَا فِي تَرْكِهِ. وَقَوْلُهُ: {إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} قِيلَ فِيهِ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الْخَيْرَ فِي الْجُمْلَةِ فَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا خَيْرٌ، وَقِيلَ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَ اللَّهِ فِيمَا وَعَدَ بِهِ مِنْ ثَوَابِهِ وَجَنَّتِهِ.

فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ الْجِهَادُ مَعَ الْفُسَّاقِ؟

قِيلَ لَهُ: إنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ فَإِنَّمَا يَقُومُ بِفَرْضِ نَفْسِهِ، فَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ الْكُفَّارَ، وَإِنْ كَانَ أَمِيرُ الْجَيْشِ وَجُنُودُهُ فَاسِقًا، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَغْزُونَ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ الْأُمَرَاءِ الْفُسَّاقِ،، وَغَزَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ مَعَ يَزِيدَ اللَّعِينِ، وَقَدْ ذَكَرْنَنِ حَدِيثَ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزَاةٍ لِلْمُسْلِمِينَ إلَّا عَامًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ عَلَى الْجَيْشِ رَجُلٌ شَابٌّ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَمَا عَلَيَّ مَنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيَّ؟ فَكَانَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} فَلَا أَجِدُنِي إلَّا خَفِيفًا أَوْ ثَقِيلًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ وَاجِبٌ مَعَ الْفُسَّاقِ كَوُجُوبِهِ مَعَ الْعُدُولِ، وَسَائِرُ الْآيِ الْمُوجِبَةِ لِفَرْضِ الْجِهَادِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ فِعْلِهِ مَعَ الْفُسَّاقِ وَمَعَ الْعُدُولِ الصَّالِحِينَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْفُسَّاقَ إذَا جَاهَدُوا فَهُمْ مُطِيعُونَ فِي ذَلِكَ كَمَا هُمْ مُطِيعُونَ لِلَّهِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجِهَادَ ضَرْبٌ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلَوْ رَأَيْنَا فَاسِقًا يَامُرُ بِمَعْرُوفٍ وَيَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ كَانَ عَلَيْنَا مُعَاوَنَتُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْجِهَادُ، فَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخُصَّ بِفَرْضِ الْجِهَادِ الْعُدُولَ دُونَ الْفُسَّاقِ، فَإِذَا كَانَ الْفَرْضُ عَلَيْهِمْ وَاحِدًا لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ الْجِهَادِ مَعَ الْعُدُولِ، وَمَعَ الْفُسَّاقِ

وفي المبسوط:

بسم الله الرحمن الرحيم كِتَابُ السِّيَرِ

(قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ رحمه الله تعالى اعْلَمْ أَنَّ السِّيَرَ جَمْعُ سِيرَةٍ وَبِهِ سُمِّيَ هَذَا الْكِتَابُ لِأَنَّهُ بَيَّنَ فِيهِ سِيرَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَعَ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنْهُمْ مِنْ الْمُسْتَامَنِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَعَ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ هُمْ أَخْبَثُ الْكُفَّارِ بِالْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَمَعَ أَهْلِ الْبَغْيِ الَّذِينَ حَالُهُمْ دُونَ حَالِ الْمُشْرِكِينَ وَإِنْ كَانُوا جَاهِلِينَ وَفِي التَّاوِيلِ مُبْطِلِينَ فَأَمَّا بَيَانُ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَنَقُولُ الْوَاجِبُ دُعَاؤُهُمْ إلَى الدِّينِ وَقِتَالُ الْمُمْتَنِعِينَ مِنْهُمْ مِنْ الْإِجَابَةِ لِأَنَّ صِفَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَبِهَا كَانُوا خَيْرَ الْأُمَمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الْآيَةُ وَرَاسُ الْمَعْرُوفِ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَكُونَ آمِرًا بِهِ دَاعِيًا إلَيْهِ وَأَصْلُ الْمُنْكَرِ الشِّرْكُ فَهُوَ أَعْظَمُ مَا يَكُونُ مِنْ الْجَهْلِ وَالْعِنَادِ لِمَا فِيهِ إنْكَارِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ تَاوِيلٍ فَعَلَى كُلِّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت