حَتَّى قَامَ الْأَمِيرُ عَلَى قَدَمِهِ، وَخَرَجَ غَازِيًا مِنْ فَوْرِهِ، وَمَشَى إلَى الْبَلَدِ حَتَّى أَخْرَجَ الْأَسِيرَةَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمَوْضِعِ، فَكَيْفَ بِنَا وَعِنْدَنَا عَهْدُ اللَّهِ أَلَّا نُسَلِّمَ إخْوَانَنَا إلَى الْأَعْدَاءِ، وَنَنْعَمُ وَهُمْ فِي الشَّقَاءِ، أَوْ نَمْلِكُ بِالْحُرِّيَّةِ وَهُمْ أَرِقَّاءُ. يَالَلَّهِ، وَلِهَذَا الْخَطْبِ الْجَسِيمِ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِلْجُمْهُورِ، وَالْمِنَّةَ بِصَلَاحِ الْآمِرِ وَالْمَامُورِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَصْنَعُ الْوَاحِدُ إذَا قَصَّرَ الْجَمِيعُ؟ وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قُلْنَا: يُقَالُ لَهُ: وَأَيْنَ يَقَعَانِ مِمَّا أُرِيدُ؟ مَكَانَك أَيُّهَا الْوَاحِدُ لَا يُفْتَى وَمَالُك لَا يَكْفِي، وَالْأَمْرُ لِلَّهِ فِيمَا يُرِيدُ مِنْ تَوْفِيقٍ، أَوْ قَطْعٍ لِلطَّرِيقِ، وَقَدْ هَمَّهُمْ الْخَاطِرُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَزَمْزَمَ اللِّسَانُ بِهَا مُدَّةً. وَاَلَّذِي يُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا، وَيُطْفِئُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أُوَارَهَا أَنْ يَعْمِدَ مَنْ رَأَى تَقْصِيرَ الْخَلْقِ إلَى أَسِيرٍ وَاحِدٍ فَيَفْدِيَهُ؛ فَإِنَّ الْأَغْنِيَاءَ لَوْ اقْتَسَمُوا فِدَاءَ الْأَسْرَى مَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا أَقَلُّ مِنْ دِرْهَمٍ لِلرَّجُلِ الْوَاحِدِ، فَإِذَا فَدَى الْوَاحِدُ فَقَدْ أَدَّى فِي الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ فِي الْجَمَاعَةِ، وَيَغْزُو بِنَفْسِهِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا جَهَّزَ غَازِيًا. فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا} .
كِتَابُ الْجِهَادِ 920 - مَسْأَلَةٌ: وَالْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا قَامَ بِهِ مِنْ يَدْفَعُ الْعَدُوَّ وَيَغْزُوهُمْ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ وَيَحْمِي ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنْ الْبَاقِينَ وَإِلَّا فَلَا
، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} . رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إسْحَاقَ نَا مُحَمَّدُ بْنُ خِدَاشٍ نَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ هُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - نَا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} فَلَا أَحَدَ مِنْ النَّاسِ إلَّا خَفِيفٌ أَوْ ثَقِيلٌ. وَمِنْ طَرِيق مُسْلِمٍ نَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ وُهَيْبٍ الْمَكِّيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ [بِهِ] نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ"قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ نَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بَعْثًا إلَى بَنِي لَحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَالَ: لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا} .
مَسْأَلَةٌ: وَيُغْزَى أَهْلُ الْكُفْرِ مَعَ كُلِّ فَاسِقٍ مِنْ الْأُمَرَاءِ، وَغَيْرِ فَاسِقٍ، وَمَعَ الْمُتَغَلِّبِ وَالْمُحَارِبِ، كَمَا يُغْزَى مَعَ الْإِمَامِ، وَيَغْزُوهُمْ الْمَرْءُ وَحْدَهُ إنْ قَدَرَ أَيْضًا،
قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي أَوَّلِ بَابٍ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ هَاهُنَا: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ وَقَالَ - تَعَالَى - {: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فُسَّاقٌ فَلَمْ يَخُصَّهُمْ