الْجُزُولِيُّ: حَيَاةُ الشُّهَدَاءِ حَيَاةٌ غَيْرُ مُكَيَّفَةٍ وَلَا مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ ظَاهِرُ الشَّرْعِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ {قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأُمِّ حَارِثَةَ: إنَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ} وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْوَاحِدِيِّ {قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلصَّحَابَةِ لَمَّا أُصِيبَ إخْوَانُهُمْ بِأُحُدٍ: جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَاكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَاوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَاكَلَهُمْ وَمَشْرَبَهُمْ قَالُوا مَنْ يُبَلِّغُ إخْوَانَنَا عَنَّا أَنَّنَا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَيَتَأَخَّرُوا عَنْ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ اللَّهُ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} الْآيَةُ. تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِالْحَيَاةِ أَجْسَادُ الشُّهَدَاءِ وَأَنَّ أَجْسَادَهُمْ حَقِيقَةٌ ظَاهِرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، لَكِنَّ حَيَاتَهُمْ لَيْسَتْ كَحَيَاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا لِمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ أَجْسَادَهُمْ لَا تَعُودُ إلَيْهَا الْحَيَاةُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ تِلْكَ الْحَيَاةَ لَا تَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ بَلْ حَيَاةٌ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ لِلْبَشَرِ. الثَّانِي: حَمَلْنَا الشُّهَدَاءَ عَلَى شُهَدَاءِ الْحَرْبِ الَّذِينَ قَاتَلُوا لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ مُؤْثِمٍ؛ لِأَنَّهُمْ الْمُجَاهِدُونَ شَرْعًا، وَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَ بِهِمْ مَنْ قَاتَلَ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ ذَاهِبًا إلَى إرَادَةِ الْغَنِيمَةِ أَوْ الْوُقُوعِ فِي مَعْصِيَةٍ لَا تُنَافِي حُصُولَ الشَّهَادَةِ. نَعَمْ اخْتَارَ جَمْعٌ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْقَصْدِ الْأُخْرَوِيِّ فَيُؤْجَرُ بِقَدْرِهِ وَبَيْنَ الْقَصْدِ الدُّنْيَوِيِّ فَلَا يُؤْجَرُ كَمَا إذَا قُصِدَا مَعًا، وَأَلْحَقَ الْقُرْطُبِيُّ بِالْمُجَاهِدِ كُلَّ مَقْتُولٍ عَلَى الْحَقِّ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْفَضْلُ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ خَرَجَ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَفِي إقَامَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا شُهَدَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ شُهِدَ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ أَوْ؛ لِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ شَهِدَتْ دَارَ السَّلَامِ، بِخِلَافِ أَرْوَاحِ غَيْرِهِمْ لَا تَشْهَدُهَا إلَّا عِنْدَ الْقِيَامَةِ، أَوْ؛ لِأَنَّ دَمَهُ يَشْهَدُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ شَهِدَ لَهُ بِاللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِلشَّهِيدِ كَرَامَتَانِ غَيْرَ هَذِهِ، كَالْأَمْنِ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَالْغُفْرَانِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ وَأَنَّهُ يُتَوَّجُ بِتَاجِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَشْفَعُ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَتَزَوَّجُ بِسَبْعِينَ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَاكُلُ جَسَدَهُ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ وَالْمُؤَذِّنِينَ احْتِسَابًا فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {كُلُّ ابْنِ آدَمَ تَاكُلُهُ الْأَرْضُ إلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ} وَهُوَ عَظْمٌ صَغِيرٌ فِي مَغْرِزِ الذَّنَبِ لِلدَّابَّةِ. الثَّالِثُ: فُهِمَ مِنْ تَخْصِيصِ الْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ بِشَهِيدِ الْحَرْبِ أَوْ مَنْ مَعَهُ أَنَّ شَهِيدَ الْآخِرَةِ كَالْغَرِيقِ وَالْمَيِّتِ بِالطَّاعُونِ أَوْ بِالْإِحْرَاقِ أَوْ بِالْإِسْهَالِ، أَوْ كَالْمَقْتُولِ دُونَ أَهْلِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ مَاتَ غَرِيبًا أَوْ مُتَلَبِّسًا بِطَلَبِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ لَيْسَ مِثْلَهُ فِي الْحَيَاةِ وَالرِّزْقِ وَإِنْ أُلْحِقَ بِهِ فِي مُطْلَقِ الْأَجْرِ. الرَّابِعُ: قَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ: قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ نَبِيَّنَا صلى الله عليه وسلم حَيٌّ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَإِنَّهُ يُسَرُّ بِطَاعَةِ أُمَّتِهِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَبْلَوْنَ مَعَ أَنَّا نَعْتَقِدُ ثُبُوتَ الْإِدْرَاكَاتِ كَالْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ لِسَائِرِ الْمَوْتَى وَنَقْطَعُ بِعَوْدِ حَيَاةِ كُلِّ مَيِّتٍ فِي قَبْرِهِ وَبِنَعِيمِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ وَهُمَا مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْحَيَاةِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى بِنْيَةٍ، وَأَمَّا أَدِلَّةُ الْحَيَاةِ فِي الْأَنْبِيَاءِ فَمُقْتَضَاهَا أَنَّهَا مَعَ الْبِنْيَةِ فَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الرَّمْلِيُّ: الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ وَالْعُلَمَاءُ