الْبِرُّ بِالْوَالِدَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ: 3 - الْبِرُّ بِالْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، وَلَا يَخْتَصُّ بِكَوْنِهِمَا مُسْلِمَيْنِ، بَلْ حَتَّى لَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ يَجِبُ بِرُّهُمَا وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِمَا مَا لَمْ يَامُرَا ابْنَهُمَا بِشِرْكٍ أَوْ ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ. قَالَ تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} . فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَهُمَا قَوْلًا لَيِّنًا لَطِيفًا دَالًّا عَلَى الرِّفْقِ بِهِمَا وَالْمَحَبَّةِ لَهُمَا، وَيَجْتَنِبَ غَلِيظَ الْقَوْلِ الْمُوجِبِ لِنُفْرَتِهِمَا، وَيُنَادِيهِمَا بِأَحَبِّ الْأَلْفَاظِ إلَيْهِمَا، وَلْيَقُلْ لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا، وَلَا يَتَبَرَّمُ بِهِمَا بِالضَّجَرِ وَالْمَلَلِ وَالتَّأَفُّفِ، وَلَا يَنْهَرْهُمَا، وَلْيَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ {أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَدِمَتْ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشَ وَمُدَّتِهِمْ إذْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْت: إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، صِلِي أُمَّك} ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهَا قَالَتْ: {أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ} قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا {لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ} . وَفِي هَذَا الْمَقَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاك لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} . قِيلَ: نَزَلَتْ فِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت بَارًّا بِأُمِّي فَأَسْلَمْت فَقَالَتْ: لَتَدَعَنَّ دِينَك أَوْ لَا آكُلُ وَلَا أُشْرِبُ شَرَابًا حَتَّى أَمُوتَ فَتُعَيَّرَ بِي، وَيُقَالُ: يَا قَاتِلَ أُمِّهِ. . وَبَقِيت يَوْمًا وَيَوْمًا. فَقُلْت: يَا أُمَّاهُ: لَوْ كَانَتْ لَك مِائَةُ نَفْسٍ، فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا مَا تَرَكْت دِينِي هَذَا، فَإِنْ شِئْت فَكُلِي، وَإِنْ شِئْت فَلَا تَاكُلِي. فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ أَكَلَتْ. هَذَا وَفِي الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ حَالَ حَيَاتِهِمَا خِلَافٌ ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ. أَمَّا الِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا فَمَمْنُوعٌ، اسْتِنَادًا إلَى قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي اسْتِغْفَارِهِ صلى الله عليه وسلم لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَاسْتِغْفَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِأَبَوَيْهِ الْمُشْرِكَيْنِ. وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمَا بَعْدَ وَفَاتِهِمَا وَحُرْمَتِهِ، وَعَلَى عَدَمِ التَّصَدُّقِ عَلَى رُوحِهِمَا. أَمَّا الِاسْتِغْفَارُ لِلْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ حَالَ الْحَيَاةِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ إذْ قَدْ يُسْلِمَانِ. وَلَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ الْكَافِرَانِ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْجِهَادِ الْكِفَائِيِّ، مَخَافَةً عَلَيْهِ، وَمَشَقَّةً لَهُمَا بِخُرُوجِهِ وَتَرْكِهِمَا، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: لَهُمَا ذَلِكَ، وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا بِرًّا بِهِمَا وَطَاعَةً لَهُمَا، إلَّا إذَا كَانَ مَنْعُهُمَا لَهُ لِكَرَاهَةِ قِتَالِ أَهْلِ دِينِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا يُطِيعُهُمَا وَيَخْرُجُ لَهُ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ لِلْجِهَادِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَّهَمَانِ فِي الدِّينِ، إلَّا بِقَرِينَةٍ تُفِيدُ الشَّفَقَةَ وَنَحْوَهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَا يَغْزُو إلَّا بِإِذْنِهِمَا إذَا كَانَ الْجِهَادُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. أَمَّا إذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ لِحُضُورِ الصَّفِّ، أَوْ حَصْرِ الْعَدُوِّ، أَوْ اسْتِنْفَارِ الْإِمَامِ لَهُ بِإِعْلَانِ النَّفِيرِ الْعَامِّ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الْإِذْنُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا؛ إذْ أَصْبَحَ وَاجِبًا عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِهِ؛ لِصَيْرُورَتِهِ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْجَمِيعِ.
فَقِيرٌ التَّعْرِيفُ: