فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 879

لَكِنَّهَا صِفَةٌ وَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى يَعْرِفُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ إذَا سَمِعُوهَا فَقَطْ. وَقَالَ تَعَالَى {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالرَّسُولِ} إلَى قوله تعالى {هُمْ الْفَائِزُونَ} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانٌ أَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ مَنْ سَمِعَهَا عَرَفَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَهِيَ تَخْرُجُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَافِرًا وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ النِّفَارَ عَنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَيَدِينُ بِأَنْ لَا يَرْضَى بِهِ فَهَذَا كُفْرٌ مُجَرَّدٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي - يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ فَاعِلٌ ذَلِكَ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ فِي الظُّلْمِ وَمُحَابَاةِ نَفْسِهِ عَارِفًا بِقُبْحِ فِعْلِهِ فِي ذَلِكَ وَمُعْتَقِدًا أَنَّ الْحَقَّ فِي خِلَافِ فِعْلِهِ - فَهَذَا فَاسِقٌ، وَلَيْسَ كَافِرًا. وَالثَّانِي - أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مُقَلِّدًا لِإِنْسَانٍ فِي أَنَّهُ قَدْ شَغَفَهُ تَعْظِيمُهُ إيَّاهُ وَحُبُّهُ مُوهِمًا نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ، وَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي النَّاسِ فَأَهْلُ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ مُخْطِئُونَ عُصَاةٌ وَلَيْسُوا كُفَّارًا وَيَكُونُ مَعْنَى قوله تعالى {وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} أَيْ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُطِيعِينَ، لِأَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ إيمَانٌ، وَكُلَّ إيمَانٍ طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُطِيعًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي شَيْءٍ مَا فَهُوَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ - وَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِيهِ مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} إلَى قوله تعالى {عَلِيمًا حَكِيمًا} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: هَذِهِ الْآيَةُ يَقْتَضِي ظَاهِرُهَا أَنَّ أَهْوَاءَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ مَعْرُوفَةٌ، وَهُوَ أَنْ يَكْفُرَ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ تَعَالَى {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} فَإِذْ أَهْوَاؤُهُمْ مَعْرُوفَةٌ فَفَرَضَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يُطِيعَهُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ مُرَادُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُشِيرُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِرَايٍ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُشِيرِينَ عَلَيْهِ بِرَايٍ رَاجِينَ أَنْ يَتْبَعَهُمْ فِيهِ، فَإِذْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْآيَةِ بَيَانٌ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِأَعْيَانِهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْرِي أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ، وَلَكِنَّهُمْ مَعْرُوفَةٌ صِفَاتُهُمْ جُمْلَةً، وَمِنْ صِفَاتِهِمْ بِلَا شَكٍّ إرَادَتُهُمْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ النَّاسِ كُفَّارًا. وَقَالَ تَعَالَى {إذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} الْآيَةَ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: هَذَا أَيْضًا لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ بِأَعْيَانِهِمْ وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ قَائِلِينَ قَالُوا ذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَهَذَا أَيْضًا مُمْكِنٌ أَنْ يَقُولَهُ يَهُودٌ، وَمُمْكِنٌ أَنْ يَقُولَهُ أَيْضًا قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَوَرًا وَجُبْنًا، وَإِذْ كُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ فَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ. وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَيَسْتَاذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ} إلَى قوله تعالى {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} فَإِنَّ هَذَا قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ نَزَلَ فِي بَنِي حَارِثَةَ، وَبَنِي سَلَمَةَ - وَهُمْ الْأَفَاضِلُ الْبَدْرِيُّونَ الْأُحُدِيُّونَ - وَلَكِنَّهَا كَانَتْ وَهْلَةً فِي اسْتِئْذَانِهِمْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَقَوْلُهُمْ {إنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} وَفِيهِمَا نَزَلَتْ {إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا} . كَمَا نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ نا الْفَرَبْرِيُّ نا الْبُخَارِيُّ نا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فِينَا نَزَلَتْ {إذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا} قَالَ جَابِرٌ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلَمَةَ. قَالَ جَابِرٌ: وَمَا نُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ لقوله تعالى {وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت