ومع هذا فقد كان قدر الله من وراء الأمر كله لحكمة يراها. وقدر الله دائما من وراء كل أمر يحدث، ومن وراء كل حركة وكل نأمة، وكل انبثاقة في هذا الكون كله:
(وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله. . .) . .
لم يقع مصادفة ولا جزافا، ولم يقع عبثا ولا سدى. فكل حركة محسوب حسابها في تصميم هذا الكون؛ ومقدر لها علتها ونتائجها؛ وهي في مجموعها - ومع جريانها وفق السنن والقوانين الثابتة التي لا تنخرق ولا تتعطل ولا تحابي - تحقق الحكمة الكامنة وراءها؛ وتكمل"التصميم"النهائي للكون في مجموعة!
إن التصور الإسلامي يبلغ من الشمول والتوازن في هذه القضية، ما لا يبلغه أي تصور آخر في تاريخ البشرية. .
هنالك ناموس ثابت وسنن حتمية. . وهناك وراء الناموس الثابت والسنن الحتمية إرادة فاعلة ومشيئة طليقة. وهناك وراء الناموس والسنن والإرادة والمشيئة حكمة مدبرة يجري كل شيء في نطاقها. .
والناموس يتحكم والسنن تجري في كل شيء - ومن بينها الإنسان - والإنسان يتعرض لهذه السنن بحركاته الإرادية المختارة، وبفعله الذي ينشئه حسب تفكيره وتدبيره، فتنطبق عليه، وتؤثر فيه. .
ولكن هذا كله يقع موافقا لقدر الله ومشيئته؛ ويحقق في الوقت ذاته حكمته وتقديره. .
وإرادة الإنسان وتفكيره وحركته وفاعليته هي جزء من سنن الله وناموسه يفعل بها ما يفعل، ويحقق بها ما يحقق في نطاق قدره وتدبيره. فليس شيء منها خارجا على السنن والناموس. ولا مقابلا لها ومناهضا لفعلها، كما يتصور الذين يضعون إرادة الله وقدره في كفة، ويضعون إرادة الإنسان وفاعليته في الكفة المقابلة. . كلا. ليس الأمر هكذا في التصور الإسلامي. .
فالإنسان ليس ندا لله، ولا عدوا له كذلك. والله - سبحانه - حين وهب الإنسان كينونته وفكره وإرادته وتقديره وتدبيره وفاعليته في الأرض، لم يجعل شيئا من هذا كله متعارضا مع سنته - سبحانه - لا مناهضا لمشيئته، ولا خارجا كذلك عن الحكمة الأخيرة وراء قدره في هذا الكون الكبير. .
ولكن جعل من سنته وقدره أن يقدر الإنسان ويدبر؛ وأن يتحرك ويؤثر؛ وأن يتعرض لسنة الله فتنطبق عليه؛ وأن يلقى جزاء هذا التعرض كاملا من لذة وألم، وراحة وتعب، وسعادة وشقاوة. .
وأن يتحقق من وراء هذا التعرض ونتيجته، قدر الله المحيط بكل شيء، في تناسق وتوازن. .
وهذا الذي وقع في غزوة أحد، مثل لهذا الذي نقوله عن التصور الإسلامي الشامل الكامل. فقد عرف الله المسلمين سنته وشرطه في النصر والهزيمة. فخالفوا هم عن سنته وشرطه، فتعرضوا للألم والقرح الذي تعرضوا له. .
ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فقد كان وراء المخالفة والألم تحقيق قدر الله في تمييز المؤمنين من المنافقين في الصف، وتمحيص قلوب المؤمنين وتجلية ما فيها من غبش في التصور، ومن ضعف أو قصور. .