يجمعها أنهم"يرزقون". وقد أخرج الإمام أبو عبدالله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه عن سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (شهيد البحر مثل شهيدي البر والمائدة في البحر كالمتشحط في دمه في البر وما بين الموجتين كقاطع الدنيا في طاعة الله وإن الله عز وجل وكل ملك الموت بقبض الأرواح إلا شهداء البحر فإنه سبحانه يتولى قبض أرواحهم ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ويغفر لشهيد البحر الذنوب كلها والدين) .
الدين الذي يحبس به صاحبه عن الجنة - والله أعلم - هو الذي قد ترك له وفاء ولم يوص به. أو قدر على الأداء فلم يؤده، أو أدانه في سرف أو في سفه ومات ولم يوفه. وأما من أدان في حق واجب لفاقة وعسر ومات ولم يترك وفاء فإن الله لا يحبسه عن الجنة إن شاء الله؛ لأن على السلطان فرضا أن يؤدي عنه دينه، إما من جملة الصدقات، أو من سهم الغارمين، أو من الفيء الراجع على المسلمين. قال صلى الله عليه وسلم: (من ترك دينا أو ضياعا فعلى الله ورسوله ومن ترك مالا فلورثته) . وقد زدنا هذا الباب بيانا في كتاب (التذكرة) والحمد لله.
قوله تعالى:"عند ربهم يرزقون"فيه حذف مضاف تقديره عند كرامة ربهم. و"عند"هنا تقتضي غاية القرب، فهي كـ (لدى) ولذلك لم تصغر فيقال! عنيد؛ قال سيبويه. فهذه عندية الكرامة لا عندية المسافة والقرب."يرزقون"هو الرزق المعروف في العادات. ومن قال: هي حياة الذكر قال: يرزقون الثناء الجميل. والأول الحقيقة. وقد قيل: إن الأرواح تدرك في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة وطيبها ونعيمها وسرورها ما يليق بالأرواح؛ مما ترتزق وتنتعش به. وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعد الله لها. وهذا قول حسن، وإن كان فيه نوع من المجاز، فهو الموافق لما اخترناه. والموفق الإله. و"فرحين"نصب في موضع الحال من المضمر في"يرزقون"ويجوز في الكلام"فرحون"على النعت لأحياء. وهو من الفرح بمعنى السرور. والفضل في هذه الآية هو النعيم المذكور. وقرأ ابن السميقع"فارحين"بالألف وهما لغتان، كالفره والفاره، والحذر والحاذر، والطمع والطامع، والبخل والباخل. قال النحاس: ويجوز في غير القرآن رفعه، يكون نعتا لأحياء.
قوله تعالى:"ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم"المعنى لم يلحقوا بهم في الفضل، وإن كان لهم فضل. وأصله من البشرة؛ لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في وجهه. وقال السدي.: يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من إخوانه، فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا. وقال قتادة وابن جريح والربيع وغيرهم: استبشارهم بأنهم يقولون: إخواننا الذين تركنا خلفنا في الدنيا يقاتلون في سبيل الله مع نبيهم، فيستشهدون فينالون من الكرامة مثل ما نحن فيه؛ فيسرون ويفرحون لهم بذلك. وقيل: إن الإشارة بالاستبشار للذين لم يلحقوا بهم إلى جميع المؤمنين وإن لم يقتلوا، ولكنهم لما عاينوا ثواب الله وقع اليقين بأن دين الإسلام هو الحق الذي يثيب الله عليهم؛ فهم فرحون لأنفسهم بما آتاهم الله من فضله، مستبشرون للمؤمنين بأن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ذهب إلى هذا المعنى الزجاج وابن فورك.