فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 879

الْمُتَحَمِّلُونَ مِنْ أَجْلِهِ وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِمَّا يَتَحَمَّلُهُ الشَّهِيدُ جَازَاهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ بِمَا تَقْصُرُ عُقُولُ الْبَشَرِ عَنْهُ. وَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى أَشْهَدَهُ مَا لَهُ مِنْ الْكَرَامَةِ جُمْلَةً وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ الْعَقْلُ وَالطَّرْفُ تَفْصِيلَهَا فَيَرَى بِعَيْنِهِ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْكَرَامَةِ وَالْخَيْرِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ شَهِيدًا وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ وَقِيلَ: إنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٌ أَوْ أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُهُ وَتُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهُرُ وَعَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فَهِيَ حَالَةٌ تَحْصُلُ لَهُ شَرِيفَةٌ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي حَدِّ حَقِيقَتِهَا: إنَّهَا حَالَةٌ شَرِيفَةٌ تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ وَلَوْ جَزَمْنَا بِأَنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، قُلْنَا فِي الْعَبْدِ بِأَنَّ شُهُودَهُ لِلْكَرَامَةِ حَالَةٌ تَحْصُلُ مِنْهُ فِي بَصَرِهِ وَقَلْبِهِ، وَلَكِنَّا قُلْنَا لَهُ يَصِحُّ عَلَى كَلَا الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ شُهُودَ مَلَائِكَةِ الرِّضَا لَهُ حَالَةٌ حَاصِلَةٌ لِأَجْلِهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَعْلَى وَأَكْمَلُ وَأَعْظَمُ لِمَا فِيهِ مِمَّا يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْبَهْجَةِ النُّورَانِيَّةِ وَفِي الْبَصَرِ مِنْ رُؤْيَةِ الْجَنَّةِ وَكَأَنَّهُ أَوَّلُ قَبْضِ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ الشَّهِيدُ بِهِ نَفْسَهُ وَحَصَلَ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ يُشَجِّعُ غَيْرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مِثْلِهِ وَيَخْذُلُ الْكُفَّارُ وَيُضْعِفُ نُفُوسَهُمْ وَرُبَّمَا يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ. وَالثَّانِي مَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْأَلَمِ الَّذِي لَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ مِنْ فَوَاتِ نَفْسِهِ وَتَحَقُّقِهِ لِذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِهَا فَإِنَّ حَتْفَ أَنْفِهِ لَا يَيْأَسُ مِنْ نَفْسِهِ بَلْ إمَّا يَاتِيهِ الْمَوْتُ فَجْأَةً أَوْ بِأَمْرَاضٍ يُتَرَجَّى مَعَهَا الْعَافِيَةُ أَوْ يَغِيبُ عَقْلُهُ حَتَّى تَخْرُجَ رُوحُهُ، وَالشَّهِيدُ قَدْ تَذَرَّعَ أَسْبَابَ الْمَوْتِ فِي حَالِ حُضُورِ عَقْلِهِ وَأَعْرَضَ عَنْ نَفْسِهِ فِي رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ فَضْلُ هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الشُّهَدَاءِ قَدْ لَا يُشَارِكُهُ إلَّا فِي الْأَلَمِ فَأَنَّى يَكُونُ مِثْلَهُ وَإِنْ سَاوَاهُ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي وَصَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّهِيدِ وَالِاسْمُ يَشْتَرِكُ فِيهِ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَأَدْنَاهَا فَالنَّاسُ أَلْفٌ مِنْهُمْ كَوَاحِدٍ وَوَاحِدٌ كَالْأَلْفِ: أَكُلُّ امْرِئٍ تَحْسِبِينَ امْرَأً وَنَارٍ تُوقِدُ بِاللَّيْلِ نَارًا وَلَكِنَّ فَضْلَ اللَّهِ وَاسِعٌ قَدْ يَرْفَعُ الصَّغِيرَ إلَى دَرَجَةِ الْكَبِيرِ أَوْ يُدْنِيهِ مِنْهُ تَفَضُّلًا فَالشُّهَدَاءُ كُلُّهُمْ هَذَا وَاَلَّذِينَ يَاتِي ذِكْرُهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي رُؤْيَةِ كَرَامَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي حُضُورِ مَلَائِكَةِ الرِّضَا لَهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَسْبَابُ لِاشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي الْأَلَمِ وَالْيَاسِ مِنْ الْحَيَاةِ لَوَارِدٍ عَلَى النَّفْسِ مُمَلَّكٌ لَهَا فَلِذَلِكَ ذَكَرْنَا الْحَدَّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِيقَتِهَا لِيَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْجَمِيعِ فَالْحَقِيقَةُ وَاحِدَةٌ وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ وَاحِدٌ وَالصُّورَةُ مُخْتَلِفَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ تَفَاوُتًا كَثِيرًا أَعْلَى وَأَدْنَى وَأَوْسَطَ. وَأَمَّا قوله تعالى {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الْآيَةَ. فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ فِي الْهِجْرَةِ لَا فِي الْجِهَادِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ فِيهِ وُقُوعُ الْأَجْرِ لَا الِاسْمِ. وَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ شَخْصًا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ لِقَصْدِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقِتَالِ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ كَمَا فِي الْمُهَاجِرِ وَهَلْ هُوَ كَالْمُجَاهِدِ حَقِيقَةً أَوْ دُونَهُ؟ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ الْكَلَامِ فِيهِ، وَلَكِنْ نَقُولُ فِيهِ إنَّهُ لَا يُسَمَّى شَهِيدًا وَلَا أَنَّهُ تَحْصُلُ لَهُ هَذِهِ الْحَالَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِلشَّهِيدِ مِنْ شُهُودِهِ الْكَرَامَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ وَنَحْوَهَا؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ لَمْ تَرِدْ فِيهِ أَوْ تُسَمَّى سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّهَا لِلْمَقْتُولِ ظُلْمًا وَالْمَطْعُونِ وَالْمَبْطُونِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَاتِي ذِكْرُهُ وَلِوُرُودِ النَّصِّ بِإِطْلَاقِ الِاسْمِ، وَدَعْ يَكُونُ الْمَيِّتُ فِي طَرِيقِ الْجِهَادِ أَكْثَرَ أَجْرًا إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَخَوَاصُّ الشَّهِيدِ لَا نُثْبِتُهَا إلَّا لِمَنْ وَرَدَ النَّصُّ بِإِطْلَاقِهَا عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ أَكْثَرَ أَجْرًا أَمْ لَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت