رَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَهُوَ يَدُلُّ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ يَنْتَفِي الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ مَالِكٍ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي الِاشْتِرَاطِ حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ لَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِرِوَايَةِ مَالِكٍ فَلَا إشْكَالَ. وَإِنْ أَخَذْنَا بِرِوَايَةِ اللَّيْثِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم {مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} مَنْطُوقٌ وَالْمَنْطُوقُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَفْهُومِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَوْعُودَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَكْفِيرُ الْخَطَايَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ كَوْنِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَهَذَا أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ وَبِهِ يُعْرَفُ أَنَّ دَرَجَاتِ الشُّهَدَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ فَاَلَّذِي يُقْطَعُ بِتَكْفِيرِ الْخَطَايَا لَهُ غَيْرُ الدَّيْنِ هُوَ الَّذِي جَمَعَ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَقَدْ يُغْفَرُ لَهُ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: جَوَابٌ ثَالِثٌ أَنَّ الْمَفْهُومَ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ وَلَكِنْ لَا ضَرُورَةَ إلَى هَذَا، وَقَوْلُهُ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقْبِلُ فِي وَقْتٍ وَيُدْبِرُ فِي وَقْتٍ فَهَذَا الْحُكْمُ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ إدْبَارٌ أَصْلًا. نَعَمْ قَدْ يُقَالُ إنَّ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مَنْصُوبَتَانِ عَلَى الْحَالِ فَالْمُعْتَبَرُ هُوَ كَوْنُهُ بِهَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ حَالَ الْقَتْلِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرُ الْإِقْبَالُ وَالْإِدْبَارُ بِمَا لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا إمَّا بِأَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ وَبَدَنِهِ وَنِيَّتِهِ لَا يَكُونُ لَهُ الْتِفَاتٌ إلَى مَا سِوَى ذَلِكَ لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الْمَآلِ أَوْ يَكُونُ تَاكِيدًا وَهَكَذَا ذَكَرَ الصَّبْرَ مَعَهُمَا. الظَّاهِرُ أَنَّهُ لِبَيَانِ مَا قُلْنَاهُ مِنْ الْإِقْبَالِ بِالظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فَإِنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَكُونُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَدُوِّ بِصُورَتِهِ وَفِي قَصْدِهِ أَنْ يَنْهَزِمَ فَلَا يَكُونُ صَابِرًا وَلَوْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يَكُونُ شَهِيدًا وَلَا يَكُونُ قَتْلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَتَى كَانَ مُقْبِلًا بِصُورَتِهِ وَقَلْبِهِ فَهُوَ صَابِرٌ وَلَا يَضُرُّهُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَجِدَ أَلَمًا فِي قَلْبِهِ أَوْ كَرَاهِيَةً لِلْمَوْتِ وَفِرَاقِ الْأَهْلِ لَا يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي اشْتِرَاطِ الصَّبْرِ فِي الثَّوَابِ عَلَى الْمَصَائِبِ وَلَهُ هُنَاكَ وَجْهٌ وَأَمَّا هُنَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَالصَّبْرُ عَلَى فِعْلِهَا بِشُرُوطِهَا كَالصَّبْرِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا وَحَسُنَ ذِكْرُهُ فِي الْجِهَادِ لِمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَحْضُرُ الصَّفَّ وَفِي قَصْدِهِ الْفِرَارُ فَلَيْسَ صَابِرًا نَفْسَهُ فَالصَّبْرُ بِهَذَا الْمَعْنَى شَرْطٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ وَبِغَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى لَا يُشْتَرَطُ.
(الشَّرْطُ الثَّالِثُ) الِاحْتِسَابُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَنْوِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَيَعْتَدّهُ وَسِيلَةً لِثَوَابِ اللَّهِ وَهَذَا حَاصِلٌ بِقَوْلِهِ {مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ هُنَا وَلَمْ يَذْكُرْهُ هُنَاكَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَلَامُهُ صلى الله عليه وسلم مُرَادٌ بِهِ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فَالْمُرَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا صُورَةً وَمَعْنًى وَهُنَا مِنْ كَلَامِ السَّائِلِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ يَقْصِدُ بِهِ صُورَةَ السَّبِيلِ، وَكُلُّ مَنْ قَاتَلَ الْكُفَّارَ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ فِي الصُّورَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِاشْتِرَاطِ الصَّبْرِ وَالِاحْتِسَابِ لِيَكُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صُورَةٌ وَمَعْنًى.
(الشَّرْطُ الرَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الشُّرُوطَ وَلِنُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ هُنَا مَقَامَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ دَائِرٌ مَعَ كَوْنِ الْقِتَالِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وُجُودًا وَعَدَمًا سَوَاءٌ رَجَعَ الْمُقَاتِلُ إلَى بَيْتِهِ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ سَالِمًا أَمْ لَا سَوَاءٌ اُسْتُشْهِدَ أَوْ لَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَمْ لَا