أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَهُ فِي الدُّنْيَا يَنْفَعُهُ فِي آخِرَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا كُلُّهُ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الدَّيْنِ قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَاتِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ {بَرَاءَةٌ} وَفِيهَا الزَّكَاةُ قَالَ صلى الله عليه وسلم حِينَئِذٍ {مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ عِيَالًا فَعَلَيَّ} فَكُلُّ مَنْ مَاتَ وَقَدْ أُدَانَ دَيْنًا فِي مُبَاحٍ وَلَمْ يَقْدِرْ إلَى أَدَائِهِ فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ أَوْ مِنْ الصَّدَقَاتِ كُلِّهَا إنْ جَوَّزَ وَضْعَهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ الْفَيْءِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم {وَعَلَيَّ قَضَاؤُهَا} يُحْتَمَلُ إذَا لَمْ يَتْرُكْ مَالًا وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ عُمُومُهُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمَيِّتَ الْمُسْلِمَ كَانَ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ حُقُوقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْفَيْءِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُؤَدِّيَ مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ دَيْنَهُ وَيُخْلِصَ مَالَهُ لِوَرَثَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْغَرِيمُ أَوْ السُّلْطَانُ وَقَعَ الْقِصَاصُ بَيْنَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَمْ يُحْبَسْ عَنْ الْجَنَّةِ بِدَيْنٍ لَهُ مِثْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَى غَرِيمٍ جَحَدَ وَلَمْ يَثْبُتْ مَا عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَى الْغَرِيمِ وَلَمْ تَفِ بِذَلِكَ حَسَنَاتُهُ فَيُحْبَسُ عَنْ الدَّيْنِ بِسَبَبِهِ وَمُحَالٌ أَنْ يُحْبَسَ عَنْ الْجَنَّةِ مَنْ لَهُ مَالٌ يَفِي بِمَا عَلَيْهِ عِنْدَ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَسَنٌ فِيمَنْ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ نَظِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ كَذَلِكَ وَفِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ، وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ تَنْبِيهٌ حَسَنٌ فِيمَنْ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَنَبَّهَ الْأَئِمَّةُ الْعَادِلُونَ لِذَلِكَ بَلْ وَالْقُضَاةُ الَّذِينَ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ الزَّكَاةُ وَمِنْهَا سَهْمُ الْغَارِمِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: هَذَا فِيمَنْ لَهُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ وَأَتْلَفَهُ عَلَى رَبِّهِ عَنْ عِلْمٍ أَوْ ذِمَّةٍ وَمَلَّاهُ وَاسْتَدَانَهُ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ وَتَحْذِيرٍ أَوْ فَسَدَ بِهِ الْمَرْءُ فَسَارِعْ فِي إتْلَافِ مَالٍ بِهَذَا الْوَجْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ قَوْلِهِ {مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ} . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَذِكْرُهُ الدَّيْنَ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْغَصْبِ وَأَخْذِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَقَتْلِ الْعَمْدِ وَجِرَاحَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّبَاعَاتِ لَكِنْ هَذَا إذَا امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ مَعَ تَمَكُّنِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَجِدْ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ سَبِيلًا فَالْمَرْجُوُّ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا صَدَقَ فِي قَصْدِهِ وَصَحَّتْ نِيَّتُهُ أَنْ يُرْضِيَ اللَّهُ تَعَالَى خُصُومَهُ عَنْهُ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَنْ أَشَارَ إلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الدُّنْيَوِيَّةَ هِيَ الَّتِي تُنْسَخُ وَالْحَدِيثُ إنَّمَا تَعَرَّضَ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ قَضَى دَيْنَ مَنْ مَاتَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَانَ خَاصًّا بِهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي النَّوَادِرِ أَنَّ التَّشْدِيدَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الدَّيْنِ كُلَّهَا مَنْسُوخَةٌ إلَّا مَنْ أَدَانَ فِي سَرَفٍ أَوْ فَسَادٍ، وَذُكِرَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ {قِيلَ: لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: فَمَنْ لَنَا بَعْدَك قَالَ يَاخُذُ اللَّهُ الْوُلَاةَ لَكُمْ بِمِثْلِ مَا يَاخُذُكُمْ بِهِ} . هَذَا كَلَامُ الْمَالِكِيَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا قَضَاءَ دَيْنِ مَنْ مَاتَ قَادِرًا وَإِنَّمَا ذَكَرُوا قَضَاءَ دَيْنِ الْمَيِّتِ الْمُعْسِرِ وَأَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقِيلَ: كَانَ يَقْضِيهِ تَكَرُّمًا لَا وُجُوبًا، وَهَلْ عَلَى الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ قَضَاءُ دَيْنِ الْمُعْسِرِينَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُسَاعِدُ الْمَالِكِيَّةَ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَالْإِرْضَاءُ بِالْحَسَنَاتِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ فَيَقْتَضِي تَارَةً تَأَخُّرَ دُخُولِ الشَّهِيدِ الْجَنَّةَ حَتَّى يَرْضَى خَصْمُهُ وَلَا يَمْتَنِعُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَنْعَمَ رُوحُهُ فِي غَيْرِ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، نَعَمْ إذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ خَصْمِهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ وَاقْتَضَى ذَلِكَ دُخُولَ النَّارِ، هَلْ