يريد إذا انتسبت. قال المهدوي: وأنكره العلماء؛ لأن النسب لا يمنع من قتال الكفار وقتلهم. وقال النحاس: وهذا غلط عظيم؛ لأنه يذهب إلى أن الله تعالى حظر أن يقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب، والمشركون قد كان بينهم وبين السابقين الأولين أنساب، وأشد من هذا الجهل بأنه كان ثم نسخ؛ لأن أهل التأويل مجمعون على أن الناسخ له"براءة"وإنما نزلت"براءة"بعد الفتح وبعد أن انقطعت الحروب. وقال معناه الطبري.
قلت: حمل بعض العلماء معنى ينتسبون على الأمان؛ أي إن المنتسب إلى أهل الأمان آمن إذا أمن الكل منهم، لا على معنى النسب الذي هو بمعنى القرابة. واختلف في هؤلاء الذين كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم ميثاق؛ فقيل: بنو مدلج. عن الحسن: كان بينهم وبين قريش عقد، وكان بين قريش وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد. وقال عكرمة: نزلت في هلال بن عويمر وسراقة بن جعشم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد. وقيل: خزاعة. وقال الضحاك عن ابن عباس: أنه أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة، كانوا في الصلح والهدنة.
في هذه الآية دليل على إثبات الموادعة بين أهل الحرب وأهل الإسلام إذا كان في الموادعة مصلحة للمسلمين، على ما يأتي بيانه في"الأنفال وبراءة"إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى:"أو جاؤوكم حصرت صدورهم"أي ضاقت. وقال لبيد:
أسهلت وانتصبت كجذع منيفة ... جرداء يحصر دونها جرامها
أي تضيق صدورهم من طول هذه النخلة؛ ومنه الحصر في القول وهو ضيق الكلام على المتكلم. والحصر الكتوم للسر؛ قال جرير:
ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا ... حصرا بسرك يا أميم ضنينا
ومعنى"حصرت"قد حصرت فأضمرت قد؛ قال الفراء: وهو حال من المضمر المرفوع في"جاؤوكم"كما تقول: جاء فلان ذهب عقله، أي قد ذهب عقله. وقيل: هو خبر بعد خبر قاله الزجاج. أي جاؤوكم ثم أخبر فقال:"حصرت صدورهم"فعلى هذا يكون"حصرت"بدلا من"جاؤوكم"كما قيل:"حصرت"في موضع خفض على النعت لقوم. وفي حرف أبي"إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق حصرت صدورهم"ليس فيه"أو جاؤوكم". وقيل: تقديره أو جاؤوكم رجالا أو قوما حصرت صدورهم؛ فهي صفة موصوف منصوب على الحال. وقرأ الحسن"أو جاؤوكم حصرة صدورهم"نصب على الحال، ويجوز رفعه على الابتداء والخبر. وحكى"أو جاؤوكم حصرت صدورهم"، ويجوز الرفع. وقال محمد بن يزيد:"حصرت صدورهم"هو دعاء عليهم؛ كما تقول: لعن الله الكافر؛ وقال المبرد. وضعفه بعض المفسرين وقال: هذا يقتضي ألا يقاتلوا قومهم؛ وذلك فاسد؛ لأنهم كفار وقومهم كفار. وأجيب بأن معناه صحيح، فيكون عدم القتال في حق المسلمين تعجيزا لهم، وفي حق قومهم تحقيرا لهم. وقيل:"أو"بمعنى الواو؛ كأنه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاؤوكم ضيقة صدورهم عن قتالكم والقتال معكم فكرهوا قتال الفريقين.