فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 879

قال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا شعبة، قال عدي بن ثابت: أخبرني عبدالله بن يزيد، عن زيد ابن ثابت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه. فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا. هم المؤمنون! فأنزل الله: (فما لكم في المنافقين فئتين؟) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إنها طيبة. وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد". . [أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة] .

وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا قد تكلموا بالإسلام؛ وكانوا يظاهرون المشركين. فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم. فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس. . وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله:- أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ من أجل إنهم لم يهاجروا، ولم يتركوا ديارهم نستحل دماءهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء، فنزلت: (فما لكم في المنافقين فئتين؟) . . [رواه ابن أبى حاتم، وقد روي عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا] .

ومع أن الرواية الأولى أوثق من ناحية السند والإخراج إلا أننا نرجح مضمون الرواية الثانية، بالاستناد إلى الواقع التاريخي؛ فالثابت أن منافقي المدينة لم يرد أمر بقتالهم؛ ولم يقاتلهم الرسول صلى الله عليه وسلم أو يقتلهم. إنما كانت هناك خطة أخرى مقررة في التعامل معهم. هي خطة الإغضاء عنهم، وترك المجتمع نفسه ينبذهم، وتقطيع الأسناد من حولهم بطرد اليهود - وهم الذين يغرونهم ويملون لهم - من المدينة أولا. ثم من الجزيرة العربية كلها أخيرا. .

أما هنا فنحن نجد أمرا جازما بأخذهم أسرى، وقتلهم حيث وجدوا: مما يقطع بأنهم مجموعة أخرى غير مجموعة المنافقين في المدينة. . وقد يقال: إن الأمر بأخذهم أسرى وقتلهم مشروط بقوله تعالى: فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا، فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم. . فهو تهديد ليقلعوا عما هم فيه. . وقد يكونون أقلعوا فلم ينفذ الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فيهم. . ولكن كلمة (يهاجروا) تقطع - في هذه الفترة - بأنهم ليسوا من أهل المدينة. وأن المقصود هو أن يهاجروا إلى المدينة؛ فقد كان هذا قبل الفتح. ومعنى الهجرة - قبل الفتح - كان محددا بأنه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام؛ والانضمام للجماعة المسلمة؛ والخضوع لنظامها. وإلا فهو الكفر أو النفاق. .

وسيجيء في سياق السورة - في الدرس التالي - تنديد شديد بموقف الذين بقوا - بغير عذر من الضعف - من المسلمين في مكة؛ دار الكفر والحرب بالنسبة لهم - ولو كانوا من أهلها ومواطنين فيها! - وكل هذا يؤيد ترجيح الرواية الثانية. وأن هؤلاء المنافقين كانوا جماعة من مكة - أو ممن حولها - يقولون كلمة الإسلام بأفواههم، ويظاهرون عدو المسلمين بأعمالهم.

ونعود إلى النص القرآني:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت