اعتناق عقيدته. وأنه يحافظ على حياتهم وأموالهم ودمائهم؛ وأنه يمتعهم بخير الوطن الإسلامي بلا تمييز بينهم وبين أهل الإسلام؛ وأنه يدعهم يتحاكمون إلى شريعتهم في غير ما يتعلق بمسائل النظام العام.
إن الإسلام يتسامح هذا التسامح مع مخالفيه جهارا نهارا في العقيدة. . ولكنه لا يتسامح هذا التسامح مع من يقولون الإسلام كلمة باللسان تكذبها الأفعال. لا يتسامح مع من يقولون:
إنهم يوحدون الله ويشهدون أن لا إله إلا الله. ثم يعترفون لغير الله بخاصية من خصائص الألوهية، كالحاكمية والتشريع للناس؛ فيصم أهل الكتاب بأنهم مشركون، لأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم. . لا لأنهم عبدوهم. ولكن لأنهم أحلوا لهم الحلال، وحرموا عليهم الحرام فاتبعوهم!
ولا يتسامح هذا التسامح في وصف جماعة من المنافقين بأنهم مؤمنون. لأنهم شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ثم بقوا في دار الكفر، يناصرون أعداء المسلمين!
ذلك أن التسامح هنا ليس تسامحا. إنما هو تميع. والإسلام عقيدة التسامح. ولكنه ليس عقيدة"التميع". إنه تصور جاد. ونظام جاد. والجد لا ينافي التسامح. ولكنه ينافي التميع.
وفي هذه اللفتات واللمسات من المنهج القرآني للجماعة المسلمة الأولى، بيان، وبلاغ. .
ثم استثنى من هذا الحكم - حكم الأسر والقتل - لهذا الصنف من المنافقين، الذين يعينون أعداء المسلمين - من يلجأون إلى معسكر بينه وبين الجماعة الإسلامية عهد - عهد مهادنه أو عهد ذمة - ففي هذه الحالة يأخذون حكم المعسكر الذي يلتجئون إليه، ويتصلون به:
(إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) . .
ويبدو في هذا الحكم اختيار الإسلام للسلم، حيثما وجد مجالًا للسلم لا يتعارض مع منهجه الأساسي. من حرية الإبلاغ وحرية الاختيار؛ وعدم الوقوف في وجه الدعوة، بالقوة مع كفالة الأمن للمسلمين؛ وعدم تعريضهم للفتنة، أو تعريض الدعوة الإسلامية ذاتها للتجميد والخطر.
ومن ثم يجعل كل من يلجأ ويتصل ويعيش بين قوم معاهدين - عهد ذمة أو عهد هدنة - شأنه شأن القوم المعاهدين. يعامل معاملتهم، ويسالم مسالمتهم. وهي روح سلمية واضحة المعالم في مثل هذه الأحكام.
كذلك يستثني من الأسر والقتل جماعة أخرى. هي الأفراد أو القبائل أو المجموعات التي تريد أن تقف على الحياد، فيما بين قومهم وبين المسلمين من قتال. إذ تضيق صدورهم أن يقاتلوا المسلمين مع قومهم. كما تضيق صدورهم أن يقاتلوا قومهم مع المسلمين. فيكفوا أيديهم عن الفريقين بسبب هذا التحرج من المساس بهؤلاء أو هؤلاء:
أو جاؤوكم، حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم. .