مالك، أخذ عصاه فذرع فيها بشيء لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسًا وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق، وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأن منهم عوج بن عنق، ابن بنت آدم عليه السلام، وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعًا وثلث ذراع، تحرير الحساب، وهذا شيء يستحيى من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الاَن» ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرًا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته، وهذا كذب وافتراء، فإن الله تعالى ذكر أن نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} وقال تعالى: {فأنجيناه ومن ومعه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين} وقال تعالى: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} وإذا كان ابن نوح الكافر، غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر، والله أعلم.
وقوله تعالى: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما} أي فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى صلى الله عليه وسلم، حرضهم رجلان لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن يخاف أمر الله ويخشى عقابه، وقرأ بعضهم {قال رجلان من الذين يخافون} أي ممن لهم مهابة وموضع من الناس، ويقال إنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا. قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وعطية والسدي، والربيع بن أنس، وغير واحد من السلف والخلف رحمهم الله فقالا {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون * وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} أي إن توكلتم على الله واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلد التي كتبها الله لكم، فلم ينفع ذاك فيهم شيئًا {قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء، ويقال: إنهم لما نكلوا عن الجهاد، وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر، سجد موسى وهارون عليهما السلام، قدام ملأ من بني إسرائيل، إعظامًا لما هموا به، وشق يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، ثيابهما، ولاما قومهما على ذلك، فيقال إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم، وخطر جليل، وما أحسن ما أجاب به الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استشارهم في قتال النفير، الذين جاؤوا لمنع العير، الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة، والبيض واليلب، فتكلم أبو بكر رضي الله عنه فأحسن، ثم تكلم من تكلم من الصحابة من المهاجرين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «أشيروا علي أيها المسلمون» وما يقول ذلك، إلا ليستعلم ما عند الأنصار، لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ، فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في