فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 879

وجربهم وقد فجر لهم من الصخر ينابيع في جوف الصحراء، وأنزل عليهم المن والسلوى طعاما سائغا، فإذا هم يشتهون ما اعتادوا من أطعمة مصر - أرض الذل بالنسبة لهم - فيطلبون بقلها وقثاءها وفومها وعدسها وبصلها، ولا يصبرون عما ألفوا من طعام وحياة في سبيل العزة والخلاص، والهدف الأسمى، الذي يسوقهم موسى إليه وهم يتسكعون!. .

وجربهم في قصة البقرة التي أمروا بذبحها فتلكأوا وتسكعوا في الطاعة والتنفيذ. . (فذبحوها وما كادوا يفعلون) ! وجربهم وقد عاد من ميقات ربه ومعه الألواح وفيها ميثاق الله عليهم وعهده. فأبوا أن يعطوا الميثاق وأن يمضوا العهد مع ربهم - بعد كل هذه الآلاء وكل هذه المغفرة للخطايا - ولم يعطوا الميثاق حتى وجدوا الجبل منتوقا فوق رؤوسهم، (وظنوا أنه واقع بهم) !. .

لقد جربهم في مواطن كثيرة طوال الطريق الطويل. .

ثم ها هو ذا معهم على أبواب الأرض المقدسة. أرض الميعاد التي من أجلها خرجوا. الأرض التي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكا، وأن يبعث من بينهم الأنبياء فيها ليظلوا في رعاية الله وقيادته. .

لقد جربهم فحق له أن يشفق، وهو يدعوهم دعوته الأخيرة، فيحشد فيها ألمع الذكريات، وأكبر البشريات، وأضخم المشجعات وأشد التحذيرات:

(يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا، وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين. يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) . .

نعمة الله. ووعده الواقع من أن يجعل فيهم أنبياء ويجعلهم ملوكا. وإيتاءه لهم بهذا وذلك ما لم يؤت أحدا من العالمين حتى ذلك التاريخ. والأرض المقدسة التي هم مقدمون عليها مكتوبة لهم بوعد الله. فهي إذن يقين. .

وقد رأوا من قبل كيف صدقهم الله وعده. وهذا وعده الذي هم عليه قادمون. . والارتداد على الأدبار هو الخسران المبين. .

ولكن إسرائيل.، هي إسرائيل!!!

الجبن. والتمحل. والنكوص على الأعقاب. ونقض الميثاق:

(قالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين؛ وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون) . إن جبلة يهود لتبدو هنا على حقيقتها، مكشوفة بلا حجاب ولو رقيق من التجمل. ذلك أنهم أمام الخطر؛ فلا بقية إذن من تجمل؛ ولا محاولة إذن للتشجع، ولا مجال كذلك للتمحل. إن الخطر ماثل قريب؛ ومن ثم لا يعصمهم منه حتى وعد الله لهم بأنهم أصحاب هذه الأرض، وأن الله قد كتبها لهم - فهم يريدونه نصرا رخيصا، لا ثمن له، ولا جهد فيه. نصرا مريحا يتنزل عليهم تنزل المن والسلوى!

(إن فيها قوما جبارين. . وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها. .

فإن يخرجوا منها فإنا داخلون). .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت