فهرس الكتاب

الصفحة 347 من 879

لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَقِتَالَهُ لِمُعَاوِيَةَ وَأَتْبَاعِهِ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَامُورٌ بِهِ، وَفَرَّعُوا مَسَائِلَ ذَلِكَ تَفْرِيعَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَدْ غَلِطُوا بَلْ الصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، وَالسُّنَّةِ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، كَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، فَقِتَالُ عَلِيٍّ لِلْخَوَاِرجِ ثَابِتٌ بِالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا الْقِتَالُ يَوْمَ صِفِّينَ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، بَلْ صَدَّ عَنْهُ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ مِثْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَة، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَغَيْرِهِمْ. وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْعَسْكَرَيْنِ مِثْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ تَيْنِكَ الطَّائِفَتَيْنِ، لَا الِاقْتِتَالُ بَيْنَهُمَا. كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ وَالْجَيْشُ مَعَهُ فَقَالَ: {إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَأَصْلَحَ اللَّهُ بِالْحَسَنِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ} فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْإِصْلَاحَ بِهِ مِنْ فَضَائِلِ الْحَسَنِ، مَعَ أَنَّ الْحَسَنَ نَزَلَ عَنْ الْأَمْرِ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ إلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَوْ كَانَ الْقِتَالُ هُوَ الْمَامُورُ بِهِ دُونَ تَرْكِ الْخِلَافَةِ وَمُصَالَحَةِ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَمْدَحْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى تَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ، وَفِعْلِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَا مَدَحَهُ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وَفِعْلِ الْأَدْنَى، فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ الْحَسَنُ هُوَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَا الْقِتَالُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَضَعُهُ وَأُسَامَةَ عَلَى فَخِذَيْهِ وَيَقُولُ: {اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُمْ فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا} . وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ مَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَهُمَا بِكَرَاهَتِهِمَا الْقِتَالَ فِي الْفِتْنَةِ، فَإِنَّ أُسَامَةَ امْتَنَعَ عَنْ الْقِتَالِ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْحَسَنُ كَانَ دَائِمًا يُشِيرُ عَلَى عَلِيٍّ بِأَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ وَلَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إلَيْهِ فَعَلَ مَا كَانَ يُشِيرُ بِهِ عَلَى أَبِيهِ رضي الله عنهم أجمعين. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ:" {تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ} . فَهَذِهِ الْمَارِقَةُ هُمْ الْخَوَارِجُ، وَقَاتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهَذَا يُصَدِّقُهُ بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ قَتْلَهُمْ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. وَأَنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوهُمْ مَعَ عَلِيٍّ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ أَوْلَى بِالْحَقِّ، فَلَمْ يَامُرْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْقِتَالِ لِوَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ كَمَا أَمَرَ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، بَلْ مَدَحَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ كَرَاهَةِ الْقِتَالِ فِي الْفِتَنِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ كَقَوْلِهِ: {سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي} وَقَالَ {يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ} . فَالْفِتَنُ مِثْلُ الْحُرُوبِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ وَطَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُلْتَزِمَةٌ لِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ مِثْلُ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَإِنَّمَا اقْتَتَلُوا لِشُبَهٍ وَأُمُورٍ عَرَضَتْ. وَأَمَّا قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَأَهْلِ الطَّائِفِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ الرِّبَا فَهَؤُلَاءِ يُقَاتَلُونَ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الشَّرَائِعِ الثَّابِتَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهَؤُلَاءِ إذَا كَانَ لَهُمْ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ فَلَا رَيْبَ أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ أَسِيرِهِمْ وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا كَانُوا مُقِيمِينَ بِبِلَادِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت