فهرس الكتاب
عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ بِدُونِ التَّنْفِيلِ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الْحِجَازِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: لَا نَفْلَ بَعْدَ إحْرَازِ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَأَهْلُ الشَّامِ يُجَوِّزُونَ التَّنْفِيلَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَا قُلْنَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ. لِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ وَذَلِكَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ لَا بَعْدَهَا. وَلِأَنَّ التَّنْفِيلَ لِإِثْبَاتِ الِاخْتِصَاصِ ابْتِدَاءً، لَا لِإِبْطَالِ حَقٍّ ثَابِتٍ لِلْغَانِمِينَ، أَوْ الْإِبْطَالُ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي الْخُمُسِ لِأَرْبَابِهَا وَفِي التَّنْفِيلِ بَعْدَ الْإِصَابَةِ إبْطَالُ الْحَقِّ.
966 -وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْحَسَنِ أَنَّ {رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم زِمَامًا مِنْ شَعْرٍ مِنْ الْمَغْنَمِ فَقَالَ: وَيْلَك سَأَلْتنِي زِمَامًا مِنْ نَارٍ - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - وَاَللَّهِ مَا كَانَ لَك أَنْ تَسْأَلَنِيهِ، وَمَا كَانَ لِي أَنْ أُعْطِيَكَهُ} . وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ {رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ أَخَذَهُ مِنْ الْمَغْنَمِ فَقَالَ: هَبْ لِي هَذِهِ فَقَالَ: أَمَّا نَصِيبِي مِنْهَا فَلَكَ} وَعَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ قَالَ: {جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ عليه السلام وَمَعَهُ زِمَامٌ مِنْ شَعْرٍ. قَالَ: مُرْ لِي بِهَذَا الزِّمَامِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِرَاحِلَتِي زِمَامٌ فَقَالَ سَأَلْتنِي زِمَامًا مِنْ نَارٍ. مَا لَك أَنْ تَسْأَلَنِيهِ وَمَا لِي أَنْ أُعْطِيَكَهُ فَرَمَى بِهِ فِي الْمَغْنَمِ} . وَلَوْ جَازَ التَّنْفِيلُ بَعْدَ الْإِصَابَةِ لَمَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ عليه السلام ذَلِكَ مَعَ صِدْقِ حَاجَتِهِ. وَاَلَّذِي رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَفَّلَ بَعْدَ الْإِحْرَازِ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَى ذَلِكَ مِنْ الْخُمُسِ بَعْضَ الْمُحْتَاجِينَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ. أَوْ أَعْطَى ذَلِكَ مِنْ سَهْمِ نَفْسِهِ مِنْ الْخُمُسِ أَوْ الصَّفِيِّ الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَى مَا قَالَ: {لَا يَحِلُّ مِنْ غَنَائِمِكُمْ إلَّا الْخُمُسَ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ} . أَوْ أَعْطَى مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَا بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، كَأَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ فَقَدْ كَانَتْ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} الْآيَةَ. أَوْ أَعْطَى ذَلِكَ مِنْ غَنَائِمِ بَدْرٍ. فَقَدْ كَانَ الْأَمْرُ فِيهَا مُفَوَّضًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} الْآيَةَ. وَذُكِرَ:
967 -عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدٍ بْنِ يَزِيدَ أَوْ زَيْدٍ (ص 200) قَالَ: {نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ بَدْرٍ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَا أَخَذُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ، قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَنْ فُوَاقٍ} . يَعْنِي عَلَى سَوَاءٍ. وَهَكَذَا ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ {يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ} - إلَى قَوْلِهِ - {لَكَارِهُونَ} فَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ بِالسَّوَاءِ. وَقَدْ اتَّفَقَتْ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَى كُلَّ قَاتِلٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتَادَةَ قَالَ: أَخَذَ عَلِيٌّ سَلَبَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَخَذَ حَمْزَةُ سَلَبَ عُتْبَةَ، وَأَخَذَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ سَلَبَ شَيْبَةَ فَدَفَعَهُ إلَى وَرَثَتِهِ. وَكَانَ عُبَيْدَةُ قَدْ جُرِحَ فَمَاتَ فِي ذَاتِ أَجْدَالٍ بِالصَّفْرَاءِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْمَدِينَةِ. وَهُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ.
968 -وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي قَاتِلِ أَبِي جَهْلٍ. فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: كُنْت: يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ شَابَّيْنِ حَدِيثٍ أَسْنَانُهُمَا أَحَدُهُمَا مُعَوِّذُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَالْآخَرُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ فَقَالَ لِي أَحَدُهُمَا: أَيْ عَمُّ أَتَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْت: وَمَا شَانُك بِهِ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَاَللَّهِ لَوْ لَقِيته لَمَا فَارَقَ سَوَادِي سَوَادَهُ، حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا مَوْتًا، وَغَمَزَنِي الْآخَرُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ. ثُمَّ لَقِيت