إذ كان الأمر الأول مطلقا بالوفاء بعهود من استقاموا على عهودهم إلى مدتهم. . فجاء هذا التوكيد يقيد هذا الإطلاق بأن هذا الوفاء مرهون باستقامتهم في المستقبل إلى نهاية المدة كذلك كما استقاموا في الماضي. وهي دقة بالغة في صياغة النصوص في هذه العلاقات والمعاملات، وعدم الاكتفاء بالمفهومات الضمنية، وإتباعها بالمنطوقات القطعية.
ونظرا لما أسلفنا بيانه في مقدمات السورة ومقدمات هذا المقطع منها، من الظواهر والأعراض والاعتبارات التي كانت قائمة في المجتمع المسلم يومئذ تجاه هذه الخطوة الحاسمة الخطيرة، فقد أخذ السياق يثير في نفوس المسلمين ما يدفع عنهم التردد والتحرج والتهيب، بإطلاعهم على حقيقة حال المشركين ومشاعرهم ونواياهم تجاه المسلين، وأنهم لا يرعون فيهم عهدا، ولا يتحرجون فيهم من شيء ولا يتذممون، وأنهم لا يفون بعهد، ولا يرتبطون بوعد؛ وأنهم لا يكفون عن الاعتداء متى قدروا عليه. وأن لا سبيل لمهادنتهم أو ائتمانهم ما لم يدخلوا فيما دخل فيه المسلمون.
(كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله؟) . .
إن المشركين لا يدينون لله بالعبودية خالصة، وهم كذلك لا يعترفون برسالة رسوله. فكيف يجوز أن يكون لهؤلاء عهد عند الله وعند رسوله؟ إنهم لا يواجهون بالإنكار والجحود عبدا مثلهم، ولا منهجا من مناهج العبيد من أمثالهم. إنما هم يواجهون بالجحود خالقهم ورازقهم؛ وهم يحادون الله ورسوله بهذا الجحود إبتداء. .
فكيف يجوز أن يكون لهم عهد عند الله وعند رسوله؟
هذه هي القضية التي يثيرها هذا السؤال الاستنكارى. .
وهي قضية تنصب على مبدأ التعاهد ذاته؛ لا على حالة معينة من حالاته. .
وقد يستشكل على هذا بأنه كانت للمشركين عهود فعلا؛ وبعض هذه العهود أمر الله بالوفاء بها. وأنه قد وقعت عهود سابقة منذ قيام الدولة المسلمة في المدينة. عهود مع اليهود وعهود مع المشركين. وأنه وقع عهد الحديبية في السنة السادسة للهجرة. وأن النصوص القرآنية في سور سابقة كانت تجيز هذه العهود؛ وإن كانت تجيز نبذها عند خوف الخيانة. .
فإذا كان مبدأ التعاهد مع المشركين هو الذي يرد عليه الإنكار هنا، فكيف إذن أبيحت تلك العهود وقامت حتى نزل هذا الاستنكار الأخير لمبدأ التعاهد؟!
وهذا الاستشكال لا معنى له في ظل الفهم الصحيح لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي الذي أسلفنا الحديث عنه في مطالع هذه السورة وفي مطالع سورة الأنفال قبلها. . لقد كانت تلك المعاهدات مواجهة للواقع في حينه بوسائل مكافئة له؛ أما الحكم النهائي فهو أنه لا ينبغي أن يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله. . كانت أحكاما مرحلية في طريق الحركة الإسلامية التي تستهدف ابتداء ألا يكون في الأرض شرك بالله؛ وأن تكون الدينونة لله وحده. .