فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 879

الْجِهَادِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} وَقَوْلِهِ: {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} . وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ"سَبِيلِ اللَّهِ"إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْجِهَادُ إلَّا الْيَسِيرَ مِنْهُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْجِهَادَ هُوَ سَبَبُ الشَّهَادَةِ الْمُوَصِّلَةِ إلَى اللَّهِ، (وَسَبِيلُ اللَّهِ) فِي مَصَارِفِ الزَّكَاةِ يُعْطَى لِلْغُزَاةِ الْمُتَطَوِّعِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ سَهْمٌ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ لِفَضْلِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ جَاهَدُوا مِنْ غَيْرِ أَرْزَاقٍ مُرَتَّبَةٍ لَهُمْ. فَيُعْطُونَ مَا يَشْتَرُونَ بِهِ الدَّوَابَّ وَالسِّلَاحَ، وَمَا يُنْفِقُونَ بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ إنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ} . وَقَالُوا: وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ صِنْفَيْنِ، وَعَدَّ بَعْدَهُمَا سِتَّةَ أَصْنَافٍ فَلَا يَلْزَمُ وُجُودُ صِفَةِ الصِّنْفَيْنِ فِي بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ كَمَا لَا يَلْزَمُ صِفَةُ الْأَصْنَافِ فِيهِمَا. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا تُدْفَعُ إلَّا لِمَنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهَا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ بَعْثِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إلَى الْيَمَنِ وَفِيهِ: {أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ} . فَقَدْ جَعَلَ النَّاسَ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَقِسْمًا يُصْرَفُ إلَيْهِمْ، فَلَوْ جَازَ صَرْفُ الصَّدَقَةِ إلَى الْغَنِيِّ لَبَطَلَ الْقِسْمَةُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الْمُرَادُ مِنْ قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} الْحَاجُّ الْمُنْقَطِعُ، لِمَا رُوِيَ {أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ بَعِيرًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ الْحُجَّاجَ} وَرُوِيَ أَيْضًا {أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ جَمَلًا لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَتْ امْرَأَتُهُ الْحَجَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَهَلَّا خَرَجَتْ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْحَجَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وَعَنْ {أَبِي طَلِيقٍ: قَالَ: طَلَبَتْ مِنِّي أُمُّ طَلِيقٍ جَمَلًا تَحُجُّ عَلَيْهِ فَقُلْت: قَدْ جَعَلْته فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: صَدَقْت، لَوْ أَعْطَيْتهَا كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . وَيُؤْثَرُ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُمَا قَالَا: سَبِيلُ اللَّهِ: الْحَجُّ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: سَبِيلُ اللَّهِ الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: سَبِيلُ اللَّهِ طَلَبَةُ الْعِلْمِ. وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ:"ظَاهِرُ اللَّفْظِ فِي قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} لَا يُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى الْغُزَاةِ، فَلِهَذَا نَقَلَ الْقَفَّالُ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا صَرْفَ الصَّدَقَاتِ إلَى جَمِيعِ وُجُوهِ الْخَيْرِ مِنْ تَكْفِينِ الْمَوْتَى، وَبِنَاءِ الْحُصُونِ، وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عَامٌّ فِي الْكُلِّ. وَتَفْصِيلُ الْكَلَامِ عَنْ مَصْرِفِ سَبِيلِ اللَّهِ فِي (زَكَاةٍ: ف 172) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت