وَقَالَ مُخَالِفُنَا بِتَرْتِيبِ الْعُمُومِ وَبِنَائِهِ عَلَى الْخُصُوصِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا: إنَّ الْعُمُومَ حُكْمُهُ فِيمَا تَضَمَّنَهُ لَفْظُهُ وَهُوَ فِيمَا وَصَفْنَا مُوجِبٌ لِنَفْيِ حُكْمِ الْخُصُوصِ الْمُتَقَدِّمِ لَهُ لِأَنَّهُ اسْمٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ لَفْظُهُ فَكَأَنَّهُ ذَكَرَ مَا تَضَمَّنَهُ لَفْظُ الْخُصُوصِ (وَذِكْرُ غَيْرِهِ مَعَهُ لَا يَنْفِي أَنْ) يَكُونَ (مَا قَابَلَ) الْخُصُوصَ مِنْهُ مَذْكُورًا مُوجِبًا لِلْحُكْمِ بِخِلَافِ حُكْمِ الْخُصُوصِ نَظِيرُ ذَلِكَ قوله تعالى {يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} . وقوله تعالى {لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} فَاقْتَضَى ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ وَهُوَ خَاصٌّ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وَكَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ عَامَّةً مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ وَقْتٍ مِنْ وَقْتٍ فَأَوْجَبَتْ نَسْخَ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ لِاشْتِمَالِ اللَّفْظِ عَلَى قَتْلِهِمْ عَامَّةً مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ مِنْهُ فِيهِ لِلشَّهْرِ الْحَرَامِ فَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ لَكَانَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَظْرِهِ فِيهِ مَنْسُوخًا بِهِ. فَإِذَا وَرَدَتْ الْإِبَاحَةُ بِعُمُومِ لَفْظٍ تَنَاوَلَ إبَاحَتُهُ لِلشَّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ لَنَا أَنْ نَجْعَلَهُ مُرَتَّبًا عَلَى الْخُصُوصِ بَلْ وَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا عَلَيْهِ نَاسِخًا (لَهُ) كَمَا يَنْسَخُهُ لَوْ أَبَاحَهُ مُنْفَرِدًا بِذِكْرِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَأَيْضًا: فَمِنْ حَيْثُ كَانَ وُرُودُ الْخُصُوصِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِ الْعُمُومِ نَاسِخًا لِمَا قَابَلَهُ مِنْهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعُمُومُ الْوَارِدُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْخُصُوصِ نَاسِخًا لَهُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا يَسُوغُ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ فِيمَا ذَكَرْت إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ لَفْظُ خُصُوصٍ بِخِلَافِ حُكْمِهِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ الْخُصُوصُ مُتَقَدِّمًا فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعُمُومُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ. قِيلَ لَهُ: وَلِمَ قُلْت ذَلِكَ؟ لِأَنَّ مَا وَرَدَ بِلَفْظِ الْخُصُوصِ لَا يَجُوزُ نَسْخُهٌ بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ. قِيلَ لَهُ: إنَّمَا الْكَلَامُ بَيْنَنَا (وَبَيْنَك) فِيمَا يَجُوزُ نَسْخُهُ لَوْ أُفْرِدَ بِهِ، فَقُلْنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ إفْرَادِهِ بِلَفْظٍ خَاصٍّ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ فِيمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ الْحُكْمِ يُوجِبُ نَسْخَهُ وَبَيْنَ وُجُوبِ نَسْخِهِ بِلَفْظِ عُمُومٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ. وَإِذْ جَازَ نَسْخُهُ فَمَا الَّذِي يَمْنَعُ اعْتِبَارَ الْعُمُومِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ بِإِيجَابِ نَسْخِهِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ بَعْدَ الْخُصُوصِ لَفْظٌ يُقَابِلُ الْخُصُوصَ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ حُكْمِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَرِدَ لَفْظُ عُمُومٍ يَنْتَظِمُ الْخُصُوصَ وَغَيْرَهُ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا أَنَّهُ لَوْ اخْتَصَّ فِي الْحُكْمِ الثَّانِي عَلَى مِقْدَارِ مَا يُقَابِلُ الْخُصُوصَ الْمُتَقَدِّمَ كَانَ نَاسِخًا لَهُ فَهَلَّا لَزِمْت هَذَا الِاعْتِبَارَ فِي إيجَابِ نَسْخِهِ إذَا ذُكِرَ مَا يَتَنَاوَلُ لَفْظَ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ (وَيَزِيدُ) عَلَيْهِ. فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ الْحُكْمَ الْخَاصَّ مُتَيَقَّنٌ بِثُبُوتِهِ، وَنَسْخُهُ بِالْعَامِّ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، إذْ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ نَسْخُهُ بِالشَّكِّ. قِيلَ (لَهُ: مَا) مَعْنَى قَوْلِك إنَّ الْحُكْمَ الْخَاصَّ مُتَيَقَّنٌ ثُبُوتُهُ أَعَنَيْت بِهِ أَنْ كَانَ مُتَيَقَّنًا قَبْلَ وُرُودِ الْعَامِّ الْمُوجِبِ لِلْحُكْمِ بِخِلَافِهِ أَوْ أَرَدْت أَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بَعْدَ وُرُودِ الْعَامِّ؟. فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت أَنَّهُ كَانَ مُتَيَقَّنًا قَبْلَ وُرُودِ اللَّفْظِ الْعَامِّ. قِيلَ لَهُ: فَهَذَا مَا (لَا) يُخَالِفُ فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ مَوْضُوعَ الْمُنَازَعَةِ فَمَا الدَّلَالَةُ مِنْهُ عَلَى انْتِفَاءِ نَسْخِهِ بِالْعُمُومِ الْوَارِدِ بَعْدَهُ. فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا أَرَدْت أَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بَعْدَ وُرُودِ الْعُمُومِ. قِيلَ لَهُ: وَلِمَ قُلْت ذَلِكَ وَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَك فَكَأَنَّك إنَّمَا ذَكَرْت صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي مِنْهَا الْخِلَافُ وَجَعَلْتهَا دَلَالَةً عَلَى نَفْسِهَا. فَإِنْ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ مُتَيَقَّنًا وَجَبَ الْبَقَاءُ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ حَتَّى يَثْبُتَ زَوَالُهُ. قِيلَ لَهُ