فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 879

وَالْمُنَاكَحَاتِ وَعُقُودِ الْمُدَايَنَات لِإِرَادَةِ الشَّيْطَان إيقَاعَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَنَا فِي سَائِرهَا وَأَنْ يَصُدَّنَا بِهَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَلَمَّا لَمْ يَجِبْ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى فِي سَائِر مَا وُجِدَ فِيهِ بَلْ كَانَ مَقْصُورَ الْحُكْمِ عَلَى الْمَذْكُور دُونَ غَيْره كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ سَائِرِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَنْصُوص عَلَيْهَا مِنْهَا وَالْمُقْتَضَيَةِ وَالْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهَا، وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَخْصِيصِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ، فَوَجَبَ بِمَا وَصَفْنَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ مَقْصُورًا فِيمَا وَصَفْنَا عَلَى الْمُشْرِكَات مِنْهُنَّ دُونَ غَيْرهنَّ، وَيَكُونَ ذِكْرُ دُعَائِهِمْ إيَّانَا إلَى النَّارِ تَاكِيدًا لِلْحَظْرِ فِي الْمُشْرِكَات غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِهِ إلَى سِوَاهُنَّ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ وَالدُّعَاءَ إلَى النَّار هُمَا عَلَمًا تَحْرِيمِ النِّكَاح وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْكِتَابِيَّاتِ. وَقَدْ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ الْمُحَارِبِينَ كَانُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلِلْمُؤْمِنِينَ، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ لِئَلَّا يُمَكَّنَ بِهِمْ إلَى مَوَدَّةِ أَهَالِيهِنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى التَّقْصِيرِ مِنْهُمْ فِي قِتَالِهِمْ دُونَ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْمُوَادِّينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِتَرْكِ قِتَالهمْ. إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ الْحَرْبِيَّاتِ لِوُجُودِ هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا نَجِدُ بُدًّا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى حُكْمِ مَعْلُولِ هَذِهِ الْعِلَّة بِمَا قَدَّمْنَا.

بَابُ تَزَوُّجِ الْكِتَابِيَّاتِ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمُحْصَنَاتِ هَهُنَا، فَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ وَالسُّدِّيِّ: أَنَّهُمْ الْعَفَائِفُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى عِنْدَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرَامَ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: تَزَوَّجَ حُذَيْفَةُ بِيَهُودِيَّةٍ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أَنْ خَلِّ سَبِيلَهَا، فَكَتَبَ إلَيْهِ حُذَيْفَةُ: أَحَرَامٌ هِيَ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: لَا، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ تُوَاقِعُوا الْمُومِسَاتِ مِنْهُنَّ؛ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي الْعَوَاهِرَ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْإِحْصَانِ عِنْدَهُ هَهُنَا كَانَ عَلَى الْعِفَّةِ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} قَالَ"إحْصَانُ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَأَنْ تُحْصِنَ فَرْجَهَا". وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ:"وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ"قَالَ: (الْحَرَائِرُ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الِاخْتِلَافُ فِي نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ عَلَى أَنْحَاءَ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْهَا إبَاحَةُ نِكَاحِ الْحَرَائِرِ مِنْهُنَّ إذَا كُنَّ ذِمِّيَّاتٍ، فَهَذَا لَا خِلَافَ بَيْنَ السَّلَفِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِيهِ إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَهُ؛ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَاسًا بِطَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَيَكْرَهُ نِكَاحَ نِسَائِهِمْ. قَالَ جَعْفَرُ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ اللَّيْثِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة قَالَ: (إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَا أَعْلَمُ مِنْ الشِّرْكِ شَيْئًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ رَبُّهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ) . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عُمَرَ: إنَّا بِأَرْضٍ يُخَالِطُنَا فِيهَا أَهْلُ الْكِتَابِ، أَفَنَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ وَنَاكُلُ مِنْ طَعَامِهِمْ؟ قَالَ: فَقَرَأَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت