فهرس الكتاب

الصفحة 465 من 879

الْحَسَنِ فَجَزِعَ أَصْحَابُهُ لَهُ، فَأُدْخِلَ فَأُمْهِلَ ثُمَّ خَرَجَ طَيِّبَ النَّفْسِ مَسْرُورًا، قَالَ: قَالَ لِي: مَا لَك لَمْ تَقُمْ مَعَ النَّاسِ؟ قَالَ: كَرِهْت أَنْ أَخْرُجَ عَنْ الطَّبَقَةِ الَّتِي جَعَلْتنِي فِيهَا، إنَّك أَهَّلَتْنِي لِلْعِلْمِ فَكَرِهْت أَنْ أَخْرُجَ إلَى طَبَقَةِ الْخِدْمَةِ الَّتِي هِيَ خَارِجَةٌ مِنْهُ، وَإِنَّ ابْنَ عَمِّك صلى الله عليه وسلم قَالَ: {مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمِيلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ} ، وَإِنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْعُلَمَاءَ، فَمَنْ قَامَ بِحَقِّ الْخِدْمَةِ، وَإِعْزَازِ الْمَلِكِ فَهُوَ هَيْبَةٌ لِلْعَدُوِّ، وَمَنْ قَعَدَ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ الَّتِي عَنْكُمْ أُخِذَتْ فَهُوَ زَيْنٌ لَكُمْ، قَالَ: صَدَقْت يَا مُحَمَّدُ ثُمَّ شَاوَرَنِي فَقَالَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى أَنْ لَا يَنْصُرُوا أَوْلَادَهُمْ، وَقَدْ نَصَرُوا أَبْنَاءَهُمْ، وَحَلَّتْ بِذَلِكَ دِمَاؤُهُمْ، فَمَا تَرَى؟ قَالَ: قُلْت: إنَّ عُمَرَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَقَدْ نَصَرُوا أَوْلَادَهُمْ بَعْدَ عُمَرَ، وَاحْتَمَلَ ذَلِكَ عُثْمَانُ وَابْنُ عَمِّك. وَكَانَ مِنْ الْعِلْمِ بِمَا لَا خَفَاءَ بِهِ عَلَيْك، وَجَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَنُ، فَهَذَا صُلْحٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ، وَلَا شَيْءَ يَلْحَقُك فِي ذَلِكَ، وَقَدْ كَشَفْت لَك الْعِلْمَ، وَرَايُك أَعْلَى، قَالَ: لَا، وَلَكِنَّا نُجْرِيهِ عَلَى مَا أَجْرَوْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، إنَّ اللَّه جَلَّ اسْمُهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِالْمَشُورَةِ تَمَامًا لِمَا بِهِ مِنْ الْأَخْلَاقِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ، فَكَانَ يُشَاوِرُ فِي أَمْرِهِ فَيَاتِيهِ جِبْرِيلُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَلَكِنْ عَلَيْك بِالدُّعَاءِ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَك، وَمُرْ أَصْحَابَك بِذَلِكَ، وَقَدْ أَمَرْت لَك بِشَيْءٍ تُفَرِّقُهُ عَلَى أَصْحَابِك. قَالَ: فَخَرَجَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ فَفَرَّقَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي إقْرَارِ الْخُلَفَاءِ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ صَبْغِهِمْ أَوْلَادِهِمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ حُجَّةٌ فِي تَرْكِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ النَّصَارَى، فَلَا تَخْلُو مُصَالَحَةُ عُمَرَ إيَّاهُمْ أَنْ لَا يَصْبِغُوا أَوْلَادَهُمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنْ لَا يُكْرِهُوهُمْ عَلَى الْكُفْرِ إذَا أَرَادُوا الْإِسْلَامَ، أَوْ أَنْ لَا يُنْشِئُوهُمْ عَلَى الْكُفْرِ مِنْ صِغَرِهِمْ، فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُمْ مَنَعُوا أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ التَّابِعِينَ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَأَكْرَهُوهُمْ عَلَى الْكُفْرِ فَيَصِيرُوا بِهِ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ، وَخَالِعِينَ لِلذِّمَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْوَجْهَ الثَّانِي فَإِنَّ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ لَمْ يَعْتَرِضُوا عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَقْتُلُوهُمْ. وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْعَبْدِ النَّصْرَانِيِّ إذَا أَعْتَقَهُ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، فَتَرْكٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ، وَبَيْنَ سَائِرِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَمْ يُعْتَقُوا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَوْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ لَكَانَ الْعِتْقُ قَدْ أَضَرَّ بِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ شَيْئَا} فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي حَالِ الرِّقِّ إنَّمَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْجِزْيَةُ لِأَنَّ مَالَهُ لِمَوْلَاهُ، وَالْمَوْلَى الْمُسْلِمُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ، وَالْجِزْيَةُ إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى إقَامَتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْعَبْدُ لَا مَالَ لَهُ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ، فَإِذَا عَتَقَ وَمَلَكَ الْمَالَ وَجَبَتْ الْجِزْيَةُ، وَأَخَذْنَا الْجِزْيَةَ مِنْهُ لَمْ يَسْلُبْهُ مَنَافِعَ الْعِتْقِ فِي جَوَازِ التَّصَرُّفِ عَلَى نَفْسِهِ وَزَوَالِ مِلْكِ الْمَوْلَى، وَأَمْرِهِ عَنْهُ وَتَمْلِيكِهِ سَائِرَ أَمْوَالِهِ. وَإِنَّمَا الْجِزْيَةُ جُزْءٌ يَسِيرٌ مِنْ مَالِهِ قَدْ حَقَنَ بِهَا دَمَهُ فَمَنْفَعَةُ الْعِتْقِ حَاصِلَةٌ لَهُ

بَابُ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} إلَى قَوْلِهِ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} فَكَانَ مَعْقُولًا مِنْ فَحَوَى الْآيَةِ، وَمَضْمُونِهَا أَنَّ الْجِزْيَةَ مَاخُوذَةٌ مِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ لِاسْتِحَالَةِ الْخِطَابِ بِالْأَمْرِ بِقِتَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، إذْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت