فِي الْإِنْجِيلِ وَالتَّوْرَاةِ، أَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: {وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} إشَارَةً إلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ الِاعْتِقَادِ لِلْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قوله تعالى: {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : وَفِي ذِكْرِهِمْ هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ كَانُوا أُمِرُوا بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَأُمِرُوا أَيْضًا بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ مِنْ ذِكْرِ الرَّسُولِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ تَخْصِيصًا لِمَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ الْعَامُّ عَلَى مَعْنَى التَّاكِيدِ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} تَاكِيدٌ لِلْحُجَّةِ؛ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ مُقَدَّمَةٌ مِنْ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ، فَجَاءَهُمْ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَجْأَةً عَلَى جَهَالَةٍ. فَأَمَّا أَهْلُ الْكِتَابِ فَقَدْ كَانُوا عَالِمِينَ بِالتَّوْحِيدِ وَالرُّسُلِ وَالشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ، وَخُصُوصًا ذِكْرَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَمِلَّتِهِ وَأُمَّتِهِ؛ فَلَمَّا أَنْكَرُوهُ تَأَكَّدَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةُ، وَعَظُمَتْ مِنْهُمْ الْجَرِيمَةُ، فَنَبَّهَ عَلَى مَحِلِّهِمْ بِذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنَّ تَخْصِيصَهُمْ بِالذِّكْرِ إنَّمَا كَانَ لِأَجَلٍ قوله تعالى بَعْدَ ذَلِكَ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . وَاَلَّذِينَ يُخْتَصُّونَ بِفَرْضِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ صِنْفِ الْكُفَّارِ، وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ عَلَى مَا يَاتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ النَّصَارَى وَالْيَهُودُ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ قُلْنَا: عَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ. الثَّانِي: أَنَّهُمْ، وَإِنْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَّبُوا الرَّسُولَ، وَلَمْ يُحَرِّمُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا دَانُوا بِدِينِ الْحَقِّ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَطِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ. الثَّانِي: أَنَّهَا جَزَاءٌ عَلَى الْكُفْرِ. الثَّالِثُ: أَنَّ اشْتِقَاقَهَا مِنْ الْإِجْزَاءِ بِمَعْنَى الْكِفَايَةِ، كَمَا تَقُولُ: جَزَى كَذَا عَنِّي يَجْزِي إذَا قَضَى. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي تَقْدِيرِهَا: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ زَنْجُوَيْهِ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ، وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى الْوَرِقِ، وَإِنْ كَانُوا مَجُوسًا. وَكَذَلِكَ رَوَى مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَيَجْتَهِدُ فِيهِ؛ مِنْ الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِعُمَرَ أُسْوَةٌ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لُجَيْمٍ قُلْت لِمُجَاهِدٍ: مَا بَالُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ دِينَارٌ؟ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ: {خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرِيَّ} ، ثُمَّ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عُمَرُ فِي زَمَانِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الثَّرْوَةُ وَالْقِلَّةُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي مَحِلِّ الْجِزْيَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَرَبًا كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ. الثَّانِي: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا رَضِيَتْ الْأُمَمُ كُلُّهَا بِالْجِزْيَةِ قُبِلَتْ مِنْهُمْ. الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا