فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 879

الْجَانِبَيْنِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ. (وَمِنْهَا) الصِّحَّةُ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ إذَا مَرِضَ السَّنَةَ كُلَّهَا؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَالِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَرِضَ أَكْثَرَ السَّنَةِ، وَإِنْ صَحَّ أَكْثَرَ السَّنَةِ وَجَبَتْ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ. (وَمِنْهَا) السَّلَامَةُ عَنْ الزَّمَانَةِ وَالْعَمَى وَالْكِبَرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، وَتَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ إذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ، وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ عَادَةً أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ؟ وَكَذَا الْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَعْتَمِلُ لَا قُدْرَةَ لَهُ لِأَنَّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ. (وَأَمَّا) أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ فَعَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ إذَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، فَعَدَمُ الْعَمَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، كَمَا إذَا كَانَ لَهُ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ فَلَمْ يَزْرَعْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الزِّرَاعَةِ، لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْخَرَاجُ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. (وَمِنْهَا) الْحُرِّيَّةُ، فَلَا تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ.

وَهَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُفَادِيَ الْأَسَارَى؟

أَمَّا الْمُفَادَاةُ بِالْمَالِ فَلَا تَجُوزُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: مُفَادَاةُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُرْجَى لَهُ وَلَدٌ تَجُوزُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رحمه الله - تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِالْمَالِ كَيْفَ مَا كَانَ، وَاحْتَجَّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} وَقَدْ فَادَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَسَارَى بَدْرٍ بِالْمَالِ، وَأَدْنَى دَرَجَاتِ فِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام الْجَوَازُ، وَالْإِبَاحَةُ. (وَلَنَا) أَنَّ قَتْلَ الْأَسْرَى مَامُورٌ بِهِ؛ لقوله تعالى {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} وَأَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلَى مَا بَعْدَ الْأَخْذِ وَالِاسْتِرْقَاقِ لِمَا قُلْنَا، وَقَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وَالْأَمْرُ بِالْقَتْلِ لِلتَّوَسُّلِ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَّا لِمَا شُرِعَ لَهُ الْقَتْلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يَحْصُلُ مَعْنَى التَّوَسُّلِ بِالْمُفَادَاةِ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْمَفْرُوضِ لِأَجَلِهِ، وَيَحْصُلُ بِالذِّمَّةِ وَالِاسْتِرْقَاقِ لِمَا بَيَّنَّا فَكَانَ إقَامَةً لِلْفَرْضِ مَعْنًى لَا تَرْكًا لَهُ، وَلِأَنَّ الْمُفَادَاةَ بِالْمَالِ إعَانَةٌ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى الْحِرَابِ؛ لِأَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى الْمَنَعَةِ فَيَصِيرُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَمُحَمَّدٌ - رحمه الله - يَقُولُ: مَعْنَى الْإِعَانَةِ لَا يَحْصُلُ مِنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُرْجَى مِنْهُ وَلَدٌ فَجَازَ فِدَاؤُهُ بِالْمَالِ، وَلَكِنَّنَا نَقُولُ: إنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ بِهَذَا الطَّرِيقِ يَحْصُلُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وَهُوَ الرَّايُ وَالْمَشُورَةُ وَتَكْثِيرُ السَّوَادِ وَأَمَّا قوله تعالى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} فَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ: إنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وَقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى - {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الْآيَةَ لِأَنَّ سُورَةَ بَرَاءَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ عليه الصلاة والسلام وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فِيمَنْ مُنَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَسْرِهِمْ عَلَى أَنْ يَصِيرُوا كَرَّةً لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَهْلِ خَيْبَرَ، أَوْ ذِمَّةً كَمَا فَعَلَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رضي الله عنه بِأَهْلِ السَّوَادِ، وَيُسْتَرَقُّونَ. (وَأَمَّا) أَسَارَى بَدْرٍ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَنْتَظِرْ الْوَحْيَ فَعُوتِبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - {لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت