235 -وَأَمَّا بَنُوهُ الْكِبَارُ الْأَصِحَّاءُ وَإِخْوَانُهُ الَّذِينَ لَا زَمَانَةَ بِهِمْ فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَخْرُجَ وَيَدَعَهُمْ وَإِنْ خَافَ الضَّيْعَةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى نَفَقَتِهِمْ وَإِنْ ضَاعُوا، فَلَا يَمْتَنِعُ خُرُوجَهُ بِسَبَبِ خَوْفِ الضَّيْعَةِ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا.
236 -فَأَمَّا إذَا جَاءَ النَّفِيرُ عَامًّا فَقِيلَ لِأَهْلِ مَدِينَةٍ: قَدْ جَاءَ الْعَدُوُّ يُرِيدُونَ أَنْفُسَكُمْ أَوْ ذَرَارِيَّكُمْ أَوْ أَمْوَالَكُمْ، فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . وَمَا يَفُوتُهُ بِتَرْكِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُهُ، وَمَا يَفُوتُهُ بِالْخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَالِدَيْنِ يُمْكِنُهُ اسْتِدْرَاكُهُ بَعْدَ هَذَا؛ فَيَشْتَغِلُ بِمَا هُوَ الْأَهَمُّ، وَلِأَنَّ الضَّرَرَ فِي تَرْكِهِ الْخُرُوجَ أَعَمُّ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَعَدَّى إلَيْهِ وَإِلَى وَالِدَيْهِ وَإِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِوَالِدَيْهِ أَنْ يَنْهَيَاهُ عَنْ هَذَا الْخُرُوجِ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيُسْقِطَ بِهِ الْإِثْمَ عَنْهُمَا، وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ فِيمَا كَانَا عَاصِيَيْنِ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى رَجُلٍ لِيَاخُذَ مَالَهُ أَوْ لِيَقْتُلَهُ، أَوْ أَرَادَ امْرَأَةً لِيَفْجُرَ بِهَا. وَهُنَاكَ مَنْ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَالِدَاهُ لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يُطِيعَهُمَا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَسَعْهُمَا أَنْ يَمْنَعَاهُ؛ لِأَنَّ هَذَا فَرْضٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ فِيمَا يَكُونُ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْإِتْيَانِ وَالتَّرْكِ. فَأَمَّا مَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتُهُ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ لِوَالِدَيْهِ أَنْ يَمْنَعَاهُ مِنْ ذَلِكَ. أَرَأَيْت لَوْ أَرَادَ أَحَدُ وَالِدَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَنَهَاهُ الْوَالِدُ الْآخَرُ أَنْ يُعِينَهُ شَفَقَةً عَلَيْهِ أَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُطِيعَهُ وَيَدَعَ وَالِدَهُ يَنْتَهِكُ حُرْمَتَهُ؟ ذُكِرَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْبَاحِ لِمُرَاعَاةِ إذْنِ الْوَالِدَيْنِ فِيمَا هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ.
الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا قَلِيلٌ} .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {مَا لَكُمْ} : مَا: حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ، التَّقْدِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكُمْ عَنْ كَذَا؟ كَمَا تَقُولُ مَا لَك عَنْ فُلَانٍ مُعْرِضًا. وَنِظَامُهُ الصِّنَاعِيُّ مَا حَصَّلَ لَك مَانِعًا لِكَذَا أَوْ كَذَا. وَكَذَا تَقُولُ: مَا لَك تَقُومُ وَتَقْعُدُ؟ التَّقْدِيرُ: أَيُّ شَيْءٍ حَصَّلَ لَك مَانِعًا مِنْ الِاسْتِقْرَارِ؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} : يُقَالُ: نَفَرَ إذَا زَالَ عَنْ الشَّيْءِ. وَتَصْرِيفُهُ نَفَرَ يَنْفِرُ نَفِيرًا، وَنَفَرَتْ الدَّابَّةُ تَنْفِرُ نُفُورًا، وَكَأَنَّ النُّفُورَ فِي الْإِبَايَةِ، وَالنَّفِيرَ فِي الْإِقْبَالِ وَالسِّعَايَةِ. وَقَدْ يُؤَلَّفَانِ عَلَى رَايِ مِنْ يَرَى تَالِيفَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ تَحْتَ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ بِوَجْهٍ يَبْعُدُ تَارَةً وَيَقْرُبُ أُخْرَى، وَيَكُونُ تَاوِيلُهُ هَاهُنَا: زُولُوا عَنْ أَرْضِيكُمْ وَأَهْلِيكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي مَحَلِّ النَّفِيرِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَزْوَةُ تَبُوكَ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَيْهَا فِي حَمَّارَةِ الْقَيْظِ، وَطَيِّبِ الثِّمَارِ، وَبَرْدِ الظِّلَالِ؛ فَاسْتَوْلَى عَلَى النَّاسِ الْكَسَلُ، وَغَلَبَهُمْ