فهرس الكتاب

الصفحة 555 من 879

الآيتان من [براءة] "ولا تصل على أحد منهم مات أبدا"ونحوه عن ابن عمر؛ خرجه مسلم. قال ابن عمر: لما توفي عبدالله بن أبي بن سلول جاء ابنه عبدالله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فقام عمر وأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما خيرني الله تعالى فقال:"استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة" [التوبة: 80] وسأزيد على سبعين) قال: إنه منافق. فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل"ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره"فترك الصلاة عليهم. وقال بعض العلماء: إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على عبدالله بن أبي بناء على الظاهر من لفظ إسلامه. ثم لم يكن يفعل ذلك لما نهي عنه.

إن قال قائل فكيف قال عمر: أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؛ ولم يكن تقدم نهي عن الصلاة عليهم. قيل له: يحتمل أن يكون ذلك وقع له في خاطره، ويكون من قبيل الإلهام والتحدث الذي شهد له به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان القرآن ينزل على مراده، كما قال: وافقت ربي في ثلاث. وجاء: في أربع. وقد تقدم في البقرة. فيكون هذا من ذلك. ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله تعالى:"استغفر لهم أو لا تستغفر لهم" [التوبة: 80] الآية. لا أنه كان تقدم نهي على ما دل عليه حديث البخاري ومسلم. والله أعلم.

قلت: ويحتمل أن يكون فهمه من قوله تعالى:"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين" [التوبة: 113] لأنها نزلت بمكة. وسيأتي القول فيها.

قوله تعالى:"استغفر لهم"الآية. بين تعالى أنه وإن استغفر لهم لم ينفعهم ذلك وإن أكثر من الاستغفار. قال القشيري: ولم يثبت ما يروي أنه قال: (لأزيدن على السبعين) .

قلت: وهذا خلاف ما يثبت في حديث ابن عمر (وسأزيد على سبعين) وفي حديث ابن عباس (لو أعلم أني زدت على السبعين يغفر لهم لزدت عليها]. قال فصلي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. خرجه البخاري.

واختلف العلماء في تأويل قوله:"استغفر لهم"هل هو إياس أو تخيير، فقالت طائفة: المقصود به اليأس بدليل قوله تعالى:"فلن يغفر الله لهم" [التوبة: 80] . وذكر السبعين وفاق جرى، أو هو عادتهم في العبارة عن الكثرة والإغياء فإذا قال قائلهم: لا أكلمه سبعين سنة صار عندهم بمنزلة قوله. لا أكلمه أبدا. ومثله في الإغياء قوله تعالى:"في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا" [الحاقة:32] وقوله عليه السلام: (من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا) . وقالت طائفة: هو تخيير - منهم الحسن وقتاده وعروة - إن شئت استغفر لهم وإن شئت لا تستغفر. ولهذا لما أراد أن يصلي على ابن أبي قال عمر: أتصلي على عدو الله، القائل يوم كذا كذا وكذا؟ فقال: (إني خيرت فاخترت) . قالوا ثم نسخ هذا لما نزل"سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم" [المنافقون: 6] "ذلك بأنهم كفروا" [التوبة: 80] أي لا يغفر الله لهم لكفرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت