شراء. وروى الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن فوق كل بِرٍّ بِرٌّ حتى يبذل العبد دمه فإذا فعل ذلك فلا بر فوق ذلك) . وقال الشاعر في معنى البر:
الجود بالماء جود فيه مكرمة ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وأنشد الأصمعي لجعفر الصادق رضي الله عنه:
أثامن بالنفس النفيسة ربها ... وليس لها في الخلق كلهم ثمن
بها تشتري الجنات إن أنا بعتها ... بشيء سواها إن ذلكم غبن
لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها ... لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن
قال الحسن: ومر أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية:"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم"فقال: كلام من هذا؟ قال: (كلام الله) قال: بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله. فخرج إلى الغزو واستشهد.
قال العلماء: كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال فآلمهم وأسقمهم؛ لما في ذلك من المصلحة وما فيه من الاعتبار للبالغين، فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر صلاحا وأقل فسادا منهم عند ألم الأطفال، وما يحصل للوالدين الكافلين من الثواب فيما ينالهم من الهم ويتعلق بهم من التربية والكفالة. ثم هو عز وجل يعوض هؤلاء الأطفال عوضا إذا صاروا إليه. ونظير هذا في الشاهد أنك تكتري الأجير ليبني وينقل التراب وفي كل ذلك له ألم وأذى، ولكن ذلك جائز لما في عمله من المصلحة ولما يصل إليه من الأجر.
قوله تعالى:"يقاتلون في سبيل الله"بيان لما يقاتل له وعليه؛ وقد تقدم."فيقتلون ويقتلون"قرأ النخعي والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بتقديم المفعول على الفاعل؛ ومنه قول امرئ القيس:
فإن تقتلونا نقتلكم ...
أي إن تقتلوا بعضنا يقتلكم بعضنا. وقرأ الباقون بتقديم الفاعل على المفعول.
قوله تعالى:"وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن"إخبار من الله تعالى أن هذا كان في هذه الكتب، وأن الجهاد ومقاومة الأعداء أصله من عهد موسى عليه السلام. و"وعدا"و"حقا"مصدران موكدان.
قوله تعالى:"ومن أوفى بعهده من الله"أي لا أحد أو في بعهده من الله. وهو يتضمن الوفاء بالوعد والوعيد، ولا يتضمن وفاء البارئ بالكل؛ فأما وعده فللجميع، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين وببعض الذنوب وفي بعض الأحوال. وقد تقدم هذا المعنى مستوفى.
قوله تعالى:"فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به"أي أظهروا السرور بذلك. والبشارة إظهار السرور في البشرة. وقد تقدم. وقال الحسن: والله ما على الأرض مؤمن إلا يدخل في هذه البيعة."وذلك هو الفوز العظيم"أي الظفر بالجنة والخلود فيها.