فهرس الكتاب

الصفحة 651 من 879

الْمُحِبّونَ يَنْتَظِرُونَ أَيّهُمْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَفْسُهُ الثّمَنَ فَدَارَتْ السّلْعَةُ بَيْنَهُمْ وَوَقَعَتْ فِي يَدِ أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [الْمَائِدَةُ 54] .

[شِرَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعِيرًا مِنْ جَابِرٍ]

لَمّا كَثُرَ الْمُدّعُونَ لِلْمَحَبّةِ طُولِبُوا بِإِقَامَةِ الْبَيّنَةِ عَلَى صِحّةِ الدّعْوَى فَلَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادّعَى الْخَلِيّ حِرْفَةَ الشّجِيّ فَتَنَوّعَ الْمُدّعُونَ فِي الشّهُودِ فَقِيلَ لَا تَثْبُتُ هَذِهِ الدّعْوَى إلّا بِبَيّنَةٍ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ [آلُ عِمْرَانَ 31] فَتَأَخّرَ الْخَلْقُ كُلّهُمْ وَثَبَتَ أَتْبَاعُ الرّسُولِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَهَدْيِهِ وَأَخْلَاقِهِ فَطُولِبُوا بِعَدَالَةِ الْبَيّنَةِ وَقِيلَ لَا تُقْبَلُ الْعَدَالَةُ إلّا بِتَزْكِيَةٍ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ [الْمَائِدَةُ 54] فَتَأَخّرَ أَكْثَرُ الْمُدّعِينَ لِلْمَحَبّةِ وَقَامَ الْمُجَاهِدُونَ فَقِيلَ لَهُمْ إنّ نُفُوسَ الْمُحِبّينَ وَأَمْوَالَهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ فَسَلّمُوا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَإِنّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ وَعَقْدُ التّبَايُعِ يُوجِبُ التّسْلِيمَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَمّا رَأَى التّجّارُ عَظَمَةَ الْمُشْتَرِي وَقَدْرَ الثّمَنِ وَجَلَالَةَ قَدْرِ مَنْ جَرَى عَقْدُ التّبَايُعِ عَلَى يَدْيِهِ وَمِقْدَارَ الْكِتَابِ الّذِي أُثْبِتَ فِيهِ هَذَا الْعَقْدُ عَرَفُوا أَنّ لِلسّلْعَةِ قَدْرًا وَشَانًا لَيْسَ لِغَيْرِهَا مِنْ السّلَعِ فَرَأَوْا مِنْ الْخُسْرَانِ الْبَيّنِ وَالْغَبْنِ الْفَاحِشِ أَنْ يَبِيعُوهَا بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ تَذْهَبُ لَذّتُهَا وَشَهْوَتُهَا وَتَبْقَى تَبِعَتُهَا وَحَسْرَتُهَا فَإِنّ فَاعِلَ ذَلِكَ مَعْدُودٌ فِي جُمْلَةِ السّفَهَاءِ فَعَقَدُوا مَعَ الْمُشْتَرِي بَيْعَةَ الرّضْوَانِ رِضًى وَاخْتِيَارًا مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ خِيَارٍ وَقَالُوا: وَاَللّهِ لَا نَقِيلُكَ وَلَا نَسْتَقِيلُكَ فَلَمّا تَمّ الْعَقْدُ وَسَلّمُوا الْمَبِيعَ قِيلَ لَهُمْ قَدْ صَارَتْ أَنْفُسُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ لَنَا وَالْآنَ فَقَدْ رَدَدْنَاهَا عَلَيْكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ وَأَضْعَافَ أَمْوَالِكُمْ مَعَهَا وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ [آلُ عِمْرَانَ 69] لَمْ نَبْتَعْ مِنْكُمْ نُفُوسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ طَلَبًا لِلرّبْحِ عَلَيْكُمْ بَلْ لِيَظْهَرَ أَثَرُ الْجُودِ وَالْكَرَمِ فِي قَبُولِ الْمَعِيبِ وَالْإِعْطَاءِ عَلَيْهِ أَجَلّ الْأَثْمَانِ ثُمّ جَمَعْنَا لَكُمْ بَيْنَ الثّمَنِ وَالْمُثَمّنِ.

تَأَمّلْ قِصّةَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ"وَقَدْ اشْتَرَى مِنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعِيرَهُ ثُمّ وَفّاهُ الثّمَنَ وَزَادَهُ وَرَدّ عَلَيْهِ الْبَعِيرَ وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ قُتِلَ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ فَذَكّرَهُ بِهَذَا الْفِعْلِ حَالَ أَبِيهِ مَعَ اللّهِ وَأَخْبَرَهُ أَنّ اللّهَ أَحْيَاهُ وَكَلّمَهُ كِفَاحًا وَقَالَ يَا عَبْدِي تَمَنّ عَلَيّ"فَسُبْحَانَ مَنْ عَظُمَ جُودُهُ وَكَرَمُهُ أَنْ يُحِيطَ بِهِ عِلْمُ الْخَلَائِقِ فَقَدْ أَعْطَى السّلْعَةَ وَأَعْطَى الثّمَنَ وَوَفّقَ لِتَكْمِيلِ الْعَقْدِ وَقَبِلَ الْمَبِيعَ عَلَى عَيْبِهِ وَأَعَاضَ عَلَيْهِ أَجَلّ الْأَثْمَانِ وَاشْتَرَى عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِمَالِهِ وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الثّمَنِ وَالْمُثَمّنِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ بِهَذَا الْعَقْدِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الّذِي وَفّقَهُ لَهُ وَشَاءَهُ مِنْهُ.

فَحَيّهَلَا إنْ كُنْتَ ذَا هِمّةٍ فَقَد ْ حَدَا بِكَ حَادِي الشّوْقِ فَاطْوِ الْمَرَاحِلَا

وَقُلْ لِمُنَادِي حُبّهِمْ وَرِضَاهُمْ إذَا مَا دَعَا لَبّيْكَ أَلْفًا كَوَامِلَا

وَلَا تَنْظُرْ الْأَطْلَالَ مِنْ دُونِهِمْ فَإِنْ نَظَرْتَ إلَى الْأَطْلَالِ عُدْنَ حَوَائِلَا

وَلَا تَنْتَظِرْ بِالسّيْرِ رِفْقَةَ قَاعِدٍ وَدَعْهُ فَإِنّ الشّوْقَ يَكْفِيك حَامِلَا

وَخُذْ مِنْهُمْ زَادًا إلَيْهِمْ وَسِرْ عَلَى طَرِيقِ الْهُدَى وَالْحُبّ تُصْبِحْ وَاصِلًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت