فالمخلفون من الأعراب - وكانوا من أعراب غفار ومزينة وأشجع وأسلم وغيرهم ممن حول المدينة - سيقولون اعتذارا عن تخلفهم: (شغلتنا أموالنا وأهلونا) . . وليس هذا بعذر. فللناس دائما أهل وأموال. ولو كان مثل هذا يجوز أن يشغلهم عن تكاليف العقيدة، وعن الوفاء بحقها ما نهض أحد قط بها. . وسيقولون (فاستغفر لنا) . .
وهم ليسوا صادقين في طلب الاستغفار كما ينبيء الله رسوله صلى الله عليه وسلم: (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) . .
هنا يرد عليهم بتقرير حقيقة القدر الذي لا يدفعه تخلف، ولا يغيره إقدام؛ وبحقيقة القدرة التي تحيط بالناس وتتصرف في أقدارهم كما تشاء. وبحقيقة العلم الكامل الذي يصرف الله قدره على وفقه:
(قل: فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا؟ بل كان الله بما تعملون خبيرا) . .
وهو سؤال يوحي بالاستسلام لقدر الله؛ والطاعة لأمره بلا توقف ولا تلكؤ. فالتوقف أو التلكؤ لن يدفع ضررا، ولا يؤخر نفعا. وانتحال المعاذير لا يخفى على علم الله. ولا يؤثر في جزائه وفق علمه المحيط. وهو توجيه تربوي في وقته وفي جوه وفي مناسبته على طريقة القرآن.
(بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وزين ذلك في قلوبكم، وظننتم ظن السوء، وكنتم قوما بورا) . .
وهكذا يقفهم عرايا مكشوفين، وجها لوجه أمام ما أضمروا من نية، وما ستروا من تقدير، وما ظنوا بالله من السوء. وقد ظنوا أن الرسول ومن معه من المؤمنين ذاهبون إلى حتفهم، فلا يرجعون إلى أهليهم بالمدينة؛ وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في عقر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه فيقاتلهم! - يشيرون إلى أحد والأحزاب - ولم يحسبوا حسابا لرعاية الله وحمايته للصادقين المتجردين من عباده. كما أنهم - بطبيعة تصورهم للأمور وخلو قلوبهم من حرارة العقيدة - لم يقدروا أن الواجب هو الواجب، بغض النظر عن تكاليفه كائنة ما كانت؛ وأن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون بدون النظر إلى الربح الظاهري والخسارة الشكلية، فهي واجب مفروض يؤدى دون نظر إلى عاقبة أخرى وراءه.
لقد ظنوا ظنهم، وزين هذا الظن في قلوبهم، حتى لم يروا غيره، ولم يفكروا في سواه. وكان هذا هو ظن السوء بالله، الناشئ من أن قلوبهم بور. وهو تعبير عجيب موح. فالأرض البور ميتة جرداء. وكذلك قلوبهم. وكذلك هم بكل كيانهم. بور. لا حياة ولا خصب ولا إثمار. وما يكون القلب إذ يخلو من حسن الظن بالله؟ لأنه انقطع عن الإتصال بروح الله؟ يكون بورا. ميتا أجرد نهايته إلى البوار والدمار.
وكذلك يظن الناس بالجماعة المؤمنة. الناس من أمثال أولئك الأعراب المنقطعين عن الله. البور الخالية قلوبهم من الروح والحياة. هكذا يظنون دائما بالجماعة المؤمنة عندما يبدو أن كفة الباطل هي الراجحة، وأن قوى الأرض الظاهرة في جانب أهل الشر والضلال؛ وأن المؤمنين قلة في العدد، أو قلة في العدة، أو قلة في المكان والجاه والمال. هكذا يظن الأعراب وأشباههم في كل زمان أن المؤمنين لا ينقلبون إلى