بْنُ الْمُسَيِّبِ يُسَمَّى رَاوِيَةَ عُمَرَ، وَكَانَ يُقَالُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ: مَا أَحَدٌ أَعْلَمُ بِقَضَايَا عُمَرَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَعَلَى أَنَّ عَامَّةَ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى اسْتِعْمَالِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالْمَصِيرِ إلَى حُكْمِهِ. فَدَلَّ عَلَى صِحَّةِ مَخْرَجِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ الضَّحَّاكَ حَكَى لِعُمَرَ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي قِصَّةٍ مَشْهُورَةٍ فِي رَجُلٍ مَعْرُوفٍ، فَإِنَّ الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ هَذِهِ الْقِصَّةُ لَمْ يَكُونُوا حَضَرُوا عِنْدَ عُمَرَ وَقْتَ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ لِذَلِكَ، إنَّمَا كَانُوا فِي قَبَائِلِهِمْ وَدِيَارِهِمْ، وَالضَّحَّاكُ إنَّمَا ذَكَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ عليه السلام كَتَبَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، فَكَانَ غَائِبًا عَنْ حَضْرَةِ النَّبِيِّ عليه السلام، فَلَا مَعْنَى إذًا لِاعْتِبَارِ شُهْرَةِ الْقِصَّةِ، وَتَرْكِ النَّكِيرِ مِمَّنْ كَانَتْ فِيهِمْ عَلَى رَاوِي الْخَبَرِ، إذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ أَهْلَهَا الَّذِينَ كَانَتْ الْقِصَّةُ فِيهِمْ كَانُوا حَضَرُوا عِنْدَهُ وَقْتَ رِوَايَتِهِ. وَذُكِرَ فِي خَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رحمه الله فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ: أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَقْضِ بِخَبَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ وُلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْبَحْرَيْنِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله: وَهَذَا تَظَنِّي وَحُسْبَانٌ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ، وَلَا بِرِوَايَتِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا ذَكَرَ: أَنَّ عُمَرَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْأَخْبَارِ إلَّا بِرِوَايَةٍ، وَذَكَرَ: أَنَّ رُجُوعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إنَّ الْحَائِضَ تَنْفِرُ قَبْلَ طَوَافِ الصَّدْرِ، حِينَ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ فَأَخْبَرَتْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ: أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ غَيْرِهَا أَيْضًا، وَلِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأُمَّ سَلَمَةَ قَدْ أَخْبَرَاهُ جَمِيعًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله: وَقَدْ أَفْسَدْنَا عَلَيْهِ هَذَا الِاعْتِبَارَ. وَهُوَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي جَمِيعِ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الِاثْنَيْنِ مِمَّا يَرْوِيهِ عَنْ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: جَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا جَمَاعَةً تَوَاتَرَ الْخَبَرُ عِنْدَهُمْ بِهَا، فَلِذَلِكَ حَكَمُوا بِهِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ أَخْبَرَهُ مَعَ أُمِّ سَلَمَةَ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَرْوِهِ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام، وَإِنَّمَا أَفْتَى بِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ رحمه الله: وَذَكَرَ أَخْبَارًا أُخَرَ اسْتَدَلَّ بِهَا مُثْبِتُو خَبَرِ الْوَاحِدِ بِتَنَاوُلِهَا عَلَى نَحْوٍ مِنْ هَذَا التَّاوِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنَّا الْقَوْلُ فِي إفْسَادِهِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ وَتَكْرَارِهِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الِاثْنَيْنِ، وَنَفْيِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( {إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} ) قَالَ: وَنَزَلَ ذَلِكَ فِي شَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ عليه السلام مُصَدِّقًا. عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ ثِقَةٌ عَدْلٌ، فَجَاءَ وَادَّعَى: أَنَّهُمَا أَرَادُوا قَتْلَهُ، فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَبُولِ قَوْلِ الْوَلِيدِ. فَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ فِسْقَهُ وَجَعْلَهُ فَاسِقًا بِإِخْبَارِهِ بِالْكَذِبِ - فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا مِنْهُ الظَّاهِرُ، لِأَنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّهُ فَسَقَ فِي إخْبَارِهِ، كَمَا فَسَقَ الْوَلِيدُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَا ذُكِرَ، بَلْ فِيهِ الدَّلَالَةُ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى أَنَّهُ ثِقَةٌ عِنْدَهُ، فَقَدْ جَعَلَهُ بِمَحَلِّ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ وَحْدَهُ. فَالنَّبِيُّ عليه السلام قَدْ اسْتَعْمَلَهُ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَمَقَادِيرِهَا، وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ. وَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ مَقْبُولَ الْقَوْلِ لَمَا اسْتَعْمَلَهُ. ثُمَّ لَمَّا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِفِسْقِهِ حِينَ أَخْبَرَ بِخَبَرٍ كَذِبٍ، أُمِرَ بِالتَّثَبُّتِ فِي قَبُولِ خَبَرِهِ. فَكَيْفَ يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى نَفْيِ قَبُولِ خَبَرِ الْعَدْلِ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ لَعَلَّهُ قَدْ فَسَقَ فِي قَوْلِهِ. قِيلَ لَهُ: فَهَذِهِ الْعِلَّةُ تَمْنَعُ قَبُولَ خَبَرِ الِاثْنَيْنِ، لِأَنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّهُمَا قَدْ فَسَقَا، وَتَمْنَعُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَاتِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ عُدُولًا عِنْدَنَا، يَجُوزُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ فَسَقُوا، فَهَذَا اعْتِبَارٌ ظَاهِرُ