فهرس الكتاب

الصفحة 718 من 879

كَانَ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَبَيْن عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَا كَانَ وَتَيَسَّرُوا لِلْقِتَالِ رَكِبَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ - هُوَ ابْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيّ - إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَوَعَظَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ {مَنْ قُتِلَ عَلَى مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ وَبِحَضْرَةِ سَائِرِهِمْ - رضي الله عنهم - يُرِيدُ قِتَالَ عَنْبَسَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَامِلَ أَخِيهِ مُعَاوِيَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إذْ أَمَرَهُ بِقَبْضِ"الْوَهْطِ"وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ أَخْذَهُ مِنْهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَمَا كَانَ مُعَاوِيَةُ - رحمه الله - لِيَاخُذَ ظُلْمًا صُرَاحًا، لَكِنْ أَرَادَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ تَأَوَّلَهُ بِلَا شَكٍّ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَلَبِسَ السِّلَاحَ لِلْقِتَالِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم وَهَكَذَا جَاءَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَصْحَابِهِمْ: أَنَّ الْخَارِجَةَ عَلَى الْإِمَامِ إذَا خَرَجَتْ سُئِلُوا عَنْ خُرُوجِهِمْ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةٌ ظُلِمُوهَا أُنْصِفُوا، وَإِلَّا دُعُوا إلَى الْفَيْئَةِ، فَإِنْ فَاءُوا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَبَوْا قُوتِلُوا، وَلَا نَرَى هَذَا إلَّا قَوْلَ مَالِكٍ أَيْضًا. فَلَمَّا اخْتَلَفُوا كَمَا ذَكَرْنَا وَجَبَ أَنْ نَرُدَّ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا الرَّدَّ إلَيْهِ، إذْ يَقُولُ تَعَالَى {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} . فَفَعَلْنَا: فَلَمْ نَجِدْ اللَّهَ تَعَالَى فَرَّقَ فِي قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ عَلَى الْأُخْرَى بَيْنَ سُلْطَانٍ وَغَيْرِهِ، بَلْ أَمَرَ تَعَالَى بِقِتَالِ مَنْ بَغَى عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ - عُمُومًا - حَتَّى يَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عليه السلام {مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} أَيْضًا - عُمُومٌ - لَمْ يَخُصَّ مَعَهُ سُلْطَانًا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي قُرْآنٍ، وَلَا حَدِيثٍ، وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ: بَيْنَ مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ، أَوْ أُرِيدَ دَمُهُ، أَوْ أُرِيدَ فَرْجُ امْرَأَتِهِ، أَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الْإِطْلَاقِ عَلَى هَذَا هَلَاكُ الدِّينِ وَأَهْلِهِ، وَهَذَا لَا يَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَمَنْ أُسِرَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ: أَيُقْتَلُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: مَا دَامَ الْقِتَالُ قَائِمًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَسَرَاهُمْ، فَإِذَا انْجَلَتْ الْحَرْبُ فَلَا يُقْتَلُ مِنْهُمْ أَسِيرٌ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ عَلِيًّا - رضي الله عنه - قَتَلَ ابْنَ يَثْرِبِيٍّ - وَقَدْ أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحِلُّ أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ أَسِيرٌ أَصْلًا مَا دَامَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً، وَلَا بَعْدَ تَمَامِ الْحَرْبِ - وَبِهَذَا نَقُولُ. بُرْهَانُ ذَلِكَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ {لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ نَفْسٌ بِنَفْسٍ} . وَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى دَمَ الْمُحَارِبِ، وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَمَ مَنْ حُدَّ فِي الْخَمْرِ ثُمَّ شَرِبَهَا فِي الرَّابِعَةِ. فَكُلُّ مَنْ وَرَدَ نَصٌّ بِإِبَاحَةِ دَمِهِ: مُبَاحُ الدَّمِ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى دَمَهُ وَلَا رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم حَرَامُ الدَّمِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ، وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ} وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِفِعْلِ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِوُجُوهٍ: أَحَدُهَا - أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مُسْنَدًا إلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه. وَالثَّالِثُ - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَبَرَ إنَّمَا هُوَ فِي ابْنِ يَثْرِبِيٍّ ارْتَجَزَ يَوْمَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَنَا لِمَنْ يُنْكِرُنِي ابْنُ يَثْرِبِيّ قَاتِلٌ عَلِيًّا وَهِنْدَ الْجَمَلِ ثُمَّ ابْنَ صُوحَانَ عَلَى دِينِ عَلِيٍّ فَأُسِرَ، فَأُتِيَ بِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَبْقِنِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت