فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ. فَكُلُّ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ، وَجَبَتْ طَاعَتُهُ، وَحَرُمَ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَقِتَالُهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} . وَرَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: {بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ} . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {: مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ} . رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي ذَرٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم، عَلَى قِتَالِ الْبُغَاةِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَعَلِيٌّ رضي الله عنه قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَأَهْلَ النَّهْرَوَانِ
(7065) مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ رحمه الله: (وَإِذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إمَامٍ، فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَطْلُبُ مَوْضِعَهُ، حُورِبُوا، وَدُفِعُوا بِأَسْهَلِ مَا يَنْدَفِعُونَ بِهِ)
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ مَنْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إمَامَتِهِ وَبَيْعَتِهِ، ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ، وَوَجَبَتْ مَعُونَتُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ، وَفِي مَعْنَاهُ، مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِعَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْ بِعَهْدِ إمَامٍ قَبْلَهُ إلَيْهِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى بَيْعَتِهِ،، وَعُمَرَ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ إلَيْهِ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَبُولِهِ. وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى الْإِمَامِ، فَقَهَرَهُ، وَغَلَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَقَرُّوا لَهُ، وَأَذْعَنُوا بِطَاعَتِهِ، وَبَايَعُوهُ، صَارَ إمَامًا يَحْرُمُ قِتَالُهُ، وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، خَرَجَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا، حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكُرْهًا، فَصَارَ إمَامًا يَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ، وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ، وَيَدْخُلُ الْخَارِجُ عَلَيْهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ عليه السلام: {مَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، وَهُمْ جَمِيعٌ، فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ} . فَمَنْ خَرَجَ عَلَى مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ بَاغِيًا، وَجَبَ قِتَالُهُ، وَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَنْ يَسْأَلُهُمْ، وَيَكْشِفُ لَهُمْ الصَّوَابَ، إلَّا أَنْ يَخَافَ كَلَبَهُمْ؛ فَلَا يُمْكِنَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ. فَأَمَّا إنْ أَمْكَنَ تَعْرِيفُهُمْ، عَرَّفَهُمْ ذَلِكَ، وَأَزَالَ مَا يَذْكُرُونَهُ مِنْ الْمَظَالِمِ، وَأَزَالَ حُجَجَهُمْ، فَإِنْ لَجُّوا، قَاتَلَهُمْ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْأَمْرِ بِالْإِصْلَاحِ قَبْلَ الْقِتَالِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ} . وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا، رضي الله عنه رَاسَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، ثُمَّ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَبْدَءُوهُمْ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ فَلَجَ فِيهِ فَلَجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ سَمِعَهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكِبَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ لِوَجْهِهِمْ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِي، أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا اعْتَزَلَتْهُ الْحَرُورِيَّةُ، بَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَوَاضَعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. فَإِنْ أَبَوْا الرُّجُوعَ، وَعَظَهُمْ، وَخَوَّفَهُمْ الْقِتَالَ؛ وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَفُّهُمْ، وَدَفْعُ شَرِّهِمْ، لَا قَتْلُهُمْ، فَإِذَا أَمْكَنَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ، كَانَ أَوْلَى مِنْ الْقِتَالِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِالْفَرِيقَيْنِ. فَإِنْ سَأَلُوا الْإِنْظَارَ، نَظَرَ فِي حَالِهِمْ، وَبَحَثَ عَنْ أَمْرِهِمْ، فَإِنْ بَانَ لَهُ أَنَّ قَصْدَهُمْ الرُّجُوعُ إلَى الطَّاعَةِ، وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ، أَمْهَلَهُمْ. قَالَ