مُبَيَّنٌ فِي كِتَابَيْ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. أَمَّا إذَا طَرَأَ الْخَلَلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فِيهَا، فَإِنَّهَا يَلْحَقُهَا الْإِصْلَاحُ، كَإِصْلَاحِ الصَّلَاةِ بِسُجُودِ السَّهْوِ، وَإِصْلَاحِ الْحَجِّ بِالدَّمِ فِي حَالِ حُدُوثِ مُخَالَفَةٍ مِنْ مُخَالَفَاتِ الْإِحْرَامِ مَثَلًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ. ب - وَتَصَرُّفَاتٌ هِيَ حُقُوقُ الْعِبَادِ، وَهِيَ عَلَى نَوْعَيْنِ: (1) تَصَرُّفَاتٌ غَيْرُ عَقَدِيَّةٍ، كَالْإِتْلَافِ، وَالْقَذْفِ، وَالْغَصْبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذِهِ إذَا وَقَعَتْ لَا يَلْحَقُهَا إصْلَاحٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَلْحَقَ الْإِصْلَاحُ الْآثَارَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهَا، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الضَّرَرُ مِنْ آثَارِ الْإِتْلَافِ مَثَلًا، فَإِنَّ الضَّرَرَ يُرْفَعُ بِالضَّمَانِ، كَمَا سَيَاتِي. (2) تَصَرُّفَاتٌ عَقَدِيَّةٌ: وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ إنْ كَانَ الْخَلَلُ طَارِئًا عَلَى أَحَدِ أَرْكَانِهَا، حَتَّى يُصْبِحَ الْعَقْدُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِأَصْلِهِ وَلَا بِوَصْفِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ إصْلَاحٌ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ (بُطْلَانٌ) . أَمَّا إنْ كَانَ الْخَلَلُ طَارِئًا عَلَى الْوَصْفِ دُونَ الْأَصْلِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ بِلَحَاقِ الْإِصْلَاحِ هَذَا الْعَقْدَ، وَيُخَالِفُهُمْ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ، كَمَا يَاتِي فِي مُصْطَلَحِ (فَسَادٌ) . الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ لِلْإِصْلَاحِ: 5 - مِنْ اسْتِقْرَاءِ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ أَقَلَّ دَرَجَاتِ الْإِصْلَاحِ النَّدْبُ، كَإِصْلَاحِ الْمَالِكِ الشَّيْءَ الْمُعَارَ لِاسْتِمْرَارِ الِانْتِفَاعِ بِالْعَارِيَّةِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. وَقَدْ يَكُونُ الْإِصْلَاحُ وَاجِبًا، كَمَا هُوَ الْحَالُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ الْوَاجِبِ لِإِصْلَاحِ الْخَلَلِ الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ، وَفِي ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ الْبَاغِيَتَيْنِ. كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ وَالْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} .
بُغَاةٌ التَّعْرِيفُ:
1 -يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: بَغَى عَلَى النَّاسِ بَغْيًا: أَيْ ظَلَمَ وَاعْتَدَى، فَهُوَ بَاغٍ وَالْجَمْعُ بُغَاةٌ، وَبَغَى: سَعَى بِالْفَسَادِ، وَمِنْهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ. وَالْفُقَهَاءُ لَا يَخْرُجُونَ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى إلَّا بِوَضْعِ بَعْضِ قُيُودٍ فِي التَّعْرِيفِ فَقَدْ عَرَّفُوا الْبُغَاةَ بِأَنَّهُمْ: الْخَارِجُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْحَقِّ بِتَاوِيلٍ، وَلَهُمْ شَوْكَةٌ. وَيُعْتَبَرُ بِمَنْزِلَةِ الْخُرُوجِ: الِامْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ الَّذِي يَطْلُبُهُ الْإِمَامُ، كَالزَّكَاةِ. وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ سِوَى الْبُغَاةِ اسْمُ (أَهْلِ الْعَدْلِ) وَهُمْ الثَّابِتُونَ عَلَى مُوَالَاةِ الْإِمَامِ. (الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ) : أ - الْخَوَارِجُ: 2 - يَقُولُ الْجُرْجَانِيِّ: هُمْ الَّذِي يَاخُذُونَ الْعُشْرَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ. وَهُمْ فِي الْأَصْلِ كَانُوا فِي صَفِّ الْإِمَامِ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي الْقِتَالِ، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ لَمَّا قِبَلَ التَّحْكِيمَ. قَالُوا: لِمَ تُحَكِّمْ وَأَنْتَ عَلَى حَقٍّ. وَيَقُولُ ابْنُ عَابِدِينَ: إنَّهُمْ يَرَوْنَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه عَلَى بَاطِلٍ بِقَبُولِهِ التَّحْكِيمَ، وَيُوجِبُونَ قِتَالَهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَيَسْبُونَ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ فِي نَظَرِهِمْ كُفَّارٌ. وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ بُغَاةٌ، وَلَا يَرَوْنَ تَكْفِيرَهُمْ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إلَى أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ أَنَّ الْإِمَامَ عَلِيًّا رضي الله عنه سُئِلَ عَنْهُمْ: أَكُفَّارٌ هُمْ؟ قَالَ: مِنْ الْكُفْرِ فَرُّوا. قِيلَ: فَمُنَافِقُونَ؟ قَالَ: إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا. قِيلَ فَمَا هُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ، فَعَمُوا وَصَمُّوا، وَبَغَوْا عَلَيْنَا، وَقَاتَلُوا فَقَاتَلْنَاهُمْ.