مَعْصُومَةٌ أُتْلِفَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا ضَرُورَةِ دَفْعِ مُبَاحٍ، فَوَجَبَ ضَمَانُهُ، كَاَلَّتِي أُتْلِفَتْ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ. وَإِذَا تَابَ الْبُغَاةُ وَرَجَعُوا أَخَذَ مِنْهُمْ مَا وُجِدَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَمَا اسْتَهْلَكُوهُ لَمْ يُتْبَعُوا بِهِ، وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ. وَإِذَا قَتَلَ الْبَاغِي أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي غَيْرِ الْمَعْرَكَةِ يُقْتَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ بِإِشْهَارِ السِّلَاحِ وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ، وَقِيلَ: لَا يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لِقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه: إنْ شِئْت أَنْ أَعْفُوَ، وَإِنْ شِئْت اسْتَقَدْت.
التَّمْثِيلُ بِقَتْلَى الْبُغَاةِ:
19 -التَّمْثِيلُ بِقَتْلَى الْبُغَاةِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، حَرَامٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَمَّا نَقْلُ رُءُوسِهِمْ، فَقَدْ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ أَخْذُ رُءُوسِهِمْ، فَيُطَافُ بِهَا فِي الْآفَاقِ؛ لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ. وَجَوَّزَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ، إذَا كَانَ فِيهِ طُمَانِينَةُ قُلُوبِ أَهْلِ الْعَدْلِ، أَوْ كَسْرُ شَوْكَةِ الْبُغَاةِ. وَجَوَّزَ الْمَالِكِيَّةُ رَفْعَ رُءُوسِ قَتْلَى الْبُغَاةِ فِي مَحَلِّ قَتْلِهِمْ.
أَسْرَى الْبُغَاةِ:
20 -أَسْرَى الْبُغَاةِ يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةً خَاصَّةً؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ كَانَ لِمُجَرَّدِ دَفْعِ شَرِّهِمْ، فَلَا يُسْتَبَاحُ دَمُهُمْ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ الْقِتَالَ، وَلِذَا فَإِنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ اتِّفَاقًا، لِلتَّعْلِيلِ السَّابِقِ؛ وَلِذَا لَا يُسْتَرَقُّونَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ أَمْ لَا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ، وَلَا تُسْبَى لَهُمْ نِسَاءٌ وَلَا ذُرِّيَّةٌ. أَمَّا إنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ، فَقَدْ ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ أَيْضًا. غَيْرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ: إنْ أُسِرَ مِنْهُمْ أَسِيرٌ وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْحَرْبُ لَا يُقْتَلُ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ، إذَا خَافَ مِنْهُ الضَّرَرَ. وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ إذَا أُسِرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْب يُسْتَتَابُ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ، وَقِيلَ: يُؤَدَّبُ وَلَا يُقْتَلُ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إنْ قَتَلَهُ ضَمِنَهُ بِالدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَسْرِ صَارَ مَحْقُونَ الدَّمِ، وَقِيلَ: فِيهِ قِصَاصٌ. وَقِيلَ: لَا قِصَاصَ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُجِيزُ قَتْلَهُ فَصَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً. وَإِنْ كَانَ أَسِيرٌ بَالِغًا فَدَخَلَ فِي الطَّاعَةِ أَطْلَقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الطَّاعَةِ حَبَسَهُ إلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْحَرْبُ. وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا لَمْ يُحْبَسْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْعَةِ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يُحْبَسُ لِأَنَّ فِي حَبْسِهِ كَسْرًا لِقُلُوبِهِمْ. وَهَذَا مَا قَالَهُ الْحَنَابِلَةُ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا كَانَتْ لِلْأَسِيرِ فِئَةٌ، فَالْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَتَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ دَفْعًا لِشَرِّهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، وَيَحْكُمُ الْإِمَامُ بِنَظَرِهِ فِيمَا هُوَ أَحْسَنُ فِي كَسْرِ الشَّوْكَةِ.
فِدَاءُ الْأَسْرَى:
21 -نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ فِدَاءِ أُسَارَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِأُسَارَى الْبُغَاةِ، وَقَالُوا: إنْ قَتَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ أَسْرَى أَهْلِ الْعَدْلِ لَمْ يَجُزْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُ أَسَرَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ أَبَى الْبُغَاةُ مُفَادَاةَ الْأَسْرَى الَّذِينَ مَعَهُمْ وَحَبَسُوهُمْ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: اُحْتُمِلَ أَنْ يَجُوزَ لِأَهْلِ الْعَدْلِ حَبْسُ مَنْ مَعَهُمْ لِيُتَوَصَّلُوا