يطلق على الإعانة على المعادي. وقد أعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأنهم كاذبون في ذلك بعد ما اعلمه بما اقسموا عليه تطمينا لخاطره لأن الآية نزلت بعد إجلاء بني النضير وقبل غزو قريضة لئلا يتوجي الرسول صلى الله عليه وسلم خيفة من بأس المنافقين وسمى الله الخبر شهادة لأنه خبر عن يقين بمنزلة الشهادة التي لا يتجازف المخبر في شأنها (لئن اخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم) بيان لجملة (والله يشهد إنهم لكاذبون)
واللام موطئة للقسم وهذا تأكيد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يضروه شيئا لكيلا يعبأ بما بلغه من مقالتهم
وضمير (أخرجوا) و (قوتلوا) عائدان إلى (الذين كفروا من أهل الكتاب) أي الذين لم يخرجوا ولما يقاتلوا وهم قريظة وخيبر أما بنو النضير فقد أخرجوا قبل نزول هذه السورة فهم غير معنيين بهذا الخبر المستقبل. والمعنى: لئن أخرج بقية اليهود في المستقبل لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا في المستقبل لا ينصرونهم. وقد سلك في هذا البيان طريق الإطناب. فإن قوله (والله يشهد إنهم لكاذبون) جمع ما في هاتين الجملتين فجاء بيانه بطريقة الإطناب لزيادة تقرير كذبهم
(ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون [12] ) ارتقاء في تكذيبهم على ما وعدوا به إخوانهم والواو واو الحال وليست واو العطف
وفعل نصروهم إرادة وقوع الفعل بقرينة قوله (ليولن الأدبار ثم لا ينصرون) فيكون إطلاق الفعل على إرادته مثل قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية وقوله (فإذا قرات القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم)
وقوله تعالى (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر) أي يريدون العود إلى ما امتنعوا منه بالإيلاء. والمعنى: أنه لو فرض أنهم أرادوا نصرهم فإن أمثالهم لا يترقب منهم الثبات في الوغى فلو أرادوا نصرهم وتجهزوا معهم لفروا عند الكريهة وهذا كقوله تعالى (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم)
ويجوز أن يكون أطلق النصر على الإعانة بالرجال والعتاد وهو من معنى النصر
و (ثم) في قوله (ثم لا ينصرون) للتراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل فإن انتفاء النصر أعظم رتبة في تأسيس أهل الكتاب من الانتفاع بغعانة المنافقين فهو أقوى من انهزام المنافقين إذا جاؤوا لإعانة أهل الكتاب في القتال
والنصر هنا بمعنى: الغلب
وضمير (لا ينصرون) عائد إلى الذين كفروا من أهل الكتاب إذ الكلام جار على وعد المنافقين بنصر أهل الكتاب
والمقصود تثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وتأمينهم من بأس أعدائهم