والمراد: أن حالهم المركبة من التظاهر بالبأس مع إضمار الخوف من المسلمين ومن التفرق بينهم وبين إخوانهم من أهل الكتاب ومن خذلان المنافقين إياهم عند الحاجة ومن أنهم لا يقاتلون المسلمين إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر كجال الذين كانوا من قبلهم في زمن قريب وهم بنو النضير فإنهم أظهروا الاستعداد للحرب وأبوا الجلاء فلم يحاربوا إلا في قريتهم إذ حصنوها وقبعوا فيها حتى أعياهم الحصار فاضطروا إلى الجلاء ولم ينفعهم المنافقون ولا إخوانهم من أهل الكتاب
وعن مجاهد أن (الذين من قبلهم) المشركون يوم بدر
و (من) زائدة لتأكيد ارتباط الظرف بعامله
وانتصب (قريبا) على الظرفية متعلقا بالكون المضمر في قوله (كمثل) أي كحال كائن قريب أو انتصب على الحال من (الذين) أي القوم القريب منهم كقوله (وما قوم لوط منكم ببعيد)
والوبال أصله: وخامة المرعى المستلذ به للماشية يقال: كلأ وبيل إذا كان مرعى خضرا (حلوا) تهش إليه الإبل فيحبطها ويمرضها أو يقتلها فشبهوا في إقدامهم على حرب المسلمين مع الجهل بعاقبة تلك الحرب بإبل ترامت على مرعى وبيل فهلكت وأثبت الذوق على طريقة المكنية وتخييلها فكان ذكر (ذاقوا) مع (وبال) إشارة إلى هذه الاستعارة
و (أمرهم) شأنهم وما دبروه وحسبوا له حسابه وذلك أنهم أوقعوا أنفسهم في الجلاء وترك الديار وما فيها أي ذاقوا سوء أعمالهم في الدنيا
وضمير (ولهم عذاب أليم) عائد إلى (الذين من قبلهم) أي زيادة على ما ذاقوه من عذاب الدنيا بالجلاء وما فيه من مشقة على الانفس والأجساد لهم عذاب أليم في الآخرة على الكفر
(كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين [16] فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين [17] ) هذا مثل آخر لممثل آخر وليس مثلا منضما إلى المثل الذي قبله لأنه لو كان ذلك لكان معطوفا عليه بالواو أو ب (أو) كقوله تعالى (أو كصيب من السماء)
والوجه: أن هذا المثل متصل بقوله (ولهم عذاب أليم) كما يفصح عنه قوله في آخره (فكان عاقبتهما أنهما في النار) الآية أي مقلهم في تسبيبهم لأنفسهم عذاب الآخرة كمثل الشيطان إذ يوسوس للإنسان بأن يكفر ثم يتركه ويترأ منه فلا ينتفع أحدهما بصاحبه ويقعان معا في النار
فجملة (كمثل الشيطان) حال من ضمير (ولهم عذاب أليم) أي في الآخرة
والتعريف في (الشيطان) تعريف الجنس وكذلك تعريف (الإنسان) . والمراد به الإنسان الكافر
صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام ولم ترد في الآخرة حادثة معينة من وسوسة الشيطان لإنسان معين في الدنيا وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: (فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين) وهل يتكلم الشيطان مع الناس في الدنيا فإن ظاهرة قوله (قال إني بريء منك) أنه يقوله للإنسان وإما