وبال أمرهم، ولهم عذاب أليم. كمثل الشيطان إذ قال للإنسان: اكفر. فلما كفر قال: إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين. فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها، وذلك جزاء الظالمين. .
وهي حكاية لما قاله المنافقون ليهود بني النضير، ثم لم يفوا به، وخذلوهم فيه، حتى أتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب. ولكن في كل جملة قرآنية لفتة تقرر حقيقة، وتمس قلبا، وتبعث انفعالا، وتقر مقوما من مقومات التربية والمعرفة والإيمان العميق.
وأول لفتة هي تقرير القرابة بين المنافقين والذين كفروا من أهل الكتاب:
(ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب) . فأهل الكتاب هؤلاء كفروا. والمنافقون إخوانهم ولو أنهم يلبسون رداء الإسلام!
ثم هذا التوكيد الشديد في وعد المنافقين لإخوانهم: (لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا، وإن قوتلتم لننصرنكم) . .
والله الخبير بحقيقتهم يقرر غير ما يقررون، ويؤكد غير ما يؤكدون: (والله يشهد إنهم لكاذبون. لئن أخرجوا لا يخرجون معهم، ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن الأدبار. ثم لا ينصرون) . .
وكان ما شهد به الله. وكذب ما أعلنوه لإخوانهم وقرروه!
ثم يقرر حقيقة قائمة في نفوس المنافقين وإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله. ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) .
فهم يرهبون المؤمنين أشد مما يرهبون الله. ولو خافوا الله ما خافوا أحدا من عباده. فإنما هو خوف واحد ورهبة واحدة. ولا يجتمع في قلب خوف من الله وخوف من شيء سواه. فالعزة لله جميعا، وكل قوى الكون خاضعة لأمره، (ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها) فمم يخاف إذن ذلك الذي يخاف الله؟ ولكن الذين لا يفقهون هذه الحقيقة يخافون عباد الله أشد مما يخافون الله. .
(ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) . .
وهكذا يكشف عن حقيقة القوم الواقعة. ويقرر في الوقت ذاته تلك الحقيقة المجردة. ويمضي يقرر حالة قائمة في نفوس المنافقين والذين كفروا من أهل الكتاب، تنشأ من حقيقتهم السابقة، ورهبتهم للمؤمنين أشد من رهبتهم لله.
(لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر. بأسهم بينهم شديد. تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى. ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) . .
وما تزال الأيام تكشف حقيقة الإعجاز في"تشخيص"حالة المنافقين وأهل الكتاب حيثما التقى المؤمنون بهم في أي زمان وفي أي مكان. بشكل واضح للعيان. ولقد شهدت الاشتباكات الأخيرة في الأرض المقدسة بين المؤمنين الفدائيين وبين اليهود مصداق هذا الخبر بصورة عجيبة. فما كانوا يقاتلونهم إلا في