فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 879

يَبْذُلُهُ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدِّينِ، إنْ لَمْ يُنْفِقْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَسَبِيلُ اللَّهِ طَاعَتُهُ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ إنَّمَا يُثِيبُ الْعِبَادَ عَلَى مَا أَنْفَقُوهُ فِيمَا يُحِبُّهُ، وَأَمَّا مَا لَا يُحِبُّهُ فَلَا ثَوَابَ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَنَفَقَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَاجِبَةٌ؛ فَلِهَذَا كَانَ الثَّوَابُ عَلَيْهَا أَعْظَمَ مِنْ الثَّوَابِ عَلَى التَّطَوُّعَاتِ عَلَى الْأَجَانِبِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُبَاحَاتُ الَّتِي لَا يُثِيبُ الشَّارِعُ عَلَيْهَا لَا يُثِيبُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِيهَا وَالْوَقْفِ عَلَيْهَا. وَلَا يَكُونُ فِي الْوَقْفِ عَلَيْهَا مَنْفَعَةٌ وَثَوَابٌ فِي الدِّينِ، وَلَا مَنْفَعَةَ فِي الْوَقْفِ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا. فَالْوَقْفُ عَلَيْهَا خَالٍ مِنْ انْتِفَاعِ الْوَاقِفِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَيَكُونُ بَاطِلًا. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْأَغْنِيَاءِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا بَلْ وَاجِبًا، فَإِنَّمَا ذَاكَ إذَا أَعْطَوْا بِسَبَبٍ غَيْرِ الْغِنَى، مِنْ الْقَرَابَةِ وَالْجِهَادِ وَالدِّينِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَأَمَّا إنْ جَعَلَ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ الْغِنَى وَتَخْصِيصُ الْغَنِيِّ بِالْإِعْطَاءِ مَعَ مُشَارَكَةِ الْفَقِيرِ لَهُ فِي أَسْبَابِ الِاسْتِحْقَاقِ سِوَى الْغَنِيِّ، مَعَ زِيَادَةِ اسْتِحْقَاقِ الْفَقِيرِ عَلَيْهِ فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ فِي كُلِّ مِلَّةٍ أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْوَقْفَ يَكُونُ فِيمَا يُؤَبَّدُ عَلَى الْكُفَّارِ وَنَحْوِهِمْ. وَفِيمَا يَمْنَعُ مِنْهُ التَّوَارُثَ، وَهَذَا لَوْ أَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً رَاجِحَةً، وَإِلَّا كَانَ يُمْنَعُ مِنْهُ الْوَاقِفُ، لِأَنَّهُ فِيهِ حَبْسُ الْمَالِ عَنْ أَهْلِ الْمَوَارِيثِ، وَمَنْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ. وَهَذَا مَاخَذُ مَنْ قَالَ: لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ تَرْكٌ لِقَوْلِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، بَلْ قَدْ حَبَسَ الْمَالَ فَمَنَعَهُ الْوَارِثُ وَسَائِرُ النَّاسِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَهُوَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَنْفِيذُهُ بِلَا رَيْبٍ. ثُمَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا هِيَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُبَاحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَالْغِنَى بِالْمَالِ. وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ كَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ وَالْجِهَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ الثَّانِي. وَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوقَفَ إلَّا عَلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَأَحَبَّهُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ. فَأَمَّا مَنْ ابْتَدَعَ عَمَلًا لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ، وَجَعَلَهُ دِينًا فَهَذَا يُنْهَى عَنْ عَمَلِ هَذَا الْعَمَلِ، فَكَيْفَ يُشَرَّعُ لَهُ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ الْأَمْوَالَ، بَلْ هَذَا مِنْ جِنْسِ الْوَقْفِ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عِبَادَاتٍ، وَذَلِكَ مِنْ الدِّينِ الْمُبَدَّلِ أَوْ الْمَنْسُوخِ. وَلِهَذَا جَعَلْنَا هَذَا أَحَدَ الْأَصْلَيْنِ فِي الْوَقْفِ. وَذَلِكَ أَنَّ بَابَ الْعِبَادَاتِ وَالدِّيَانَاتِ وَالتَّقَرُّبَاتِ مُتَلَقَّاةٌ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا عِبَادَةً أَوْ قُرْبَةً إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ. قَالَ تَعَالَى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} . وَقَالَ تَعَالَى: {المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إلَيْك فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} . وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ كَثِيرٌ، يَامُرُ اللَّهُ فِيهِ بِطَاعَةِ رَسُولِهِ وَاتِّبَاعِ كِتَابِهِ، وَيَنْهَى عَنْ اتِّبَاعِ مَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ. وَالْبِدَعُ جَمِيعُهَا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْبِدْعَةَ الشَّرْعِيَّةَ - أَيْ الْمَذْمُومَةَ فِي الشَّرْعِ - هِيَ مَا لَمْ يُشَرِّعْهُ اللَّهُ فِي الدِّينِ، أَيْ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَأَمَّا إنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ الشِّرْعَةِ لَا مِنْ الْبِدْعَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ فُعِلَ بَعْدَ مَوْتِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت