فهرس الكتاب

الصفحة 848 من 879

أو هم جماعة من المسلمين في المدينة كانوا يسألون عن أحب الأعمال إلى الله ليفعلوه فلما أمروا بالجهاد كرهوه!

وهذه الوقفة كفيلة بأن تفتح أعيننا على ضرورة الموالاة للنفس البشرية بالتقوية والتثبيت والتوجيه؛ وهي تواجه التكاليف الشاقة، لتستقيم في طريقها، وتتغلب على لحظات ضعفها، وتتطلع دائما إلى الأفق البعيد. كما تلهمنا أن نتواضع في طلب التكاليف وتمنيها ونحن في حالة العافية!

فلعلنا لا نقوى على ما نقترح على الله حين يكلفنا إياه!

وهؤلاء جماعة من المسلمين الأوائل يضعفون ويقولون ما لا يفعلون؛ حتى يعاتبهم الله هذا العتاب الشديد، وينكر عليهم هذا الإنكار المخيف!

ونقف ثانية أمام حب الله للذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص. . نقف أمام هذا الإغراء القوي العميق على القتال في سبيل الله. . وأول ما يسجل هنا أنه كان لمواجهة حالة تقاعس وتخلف وكراهية للقتال. ولكن هذا السبب الغريب في الحادث المحدود لا ينفي أن الحض عام، وأن وراءه حكمة دائمة.

إن الإسلام لا يتشهى القتال، ولا يريده حبا فيه. ولكنه يفرضه لأن الواقع يحتمه، ولأن الهدف الذي وراءه كبير. فالإسلام يواجه البشرية بالمنهج الإلهي في صورته الأخيرة المستقرة. وهذا المنهج - ولو أنه يلبي الفطرة المستقيمة - إلا أنه يكلف النفوس جهدا لتسمو إلى مستواه، ولتستقر على هذا المستوى الرفيع. وهناك قوى كثيرة في هذه الأرض لا تحب لهذا المنهج أن يستقر، لأنه يسلبها كثيرا من الامتيازات، التي تستند إلى قيم باطلة زائفة، يحاربها هذا المنهج ويقضي عليها حين يستقر في حياة البشر. وهذه القوى تستغل ضعف النفوس عن البقاء في المستوى الإيماني وتكاليفه، كما تستغل جهل العقول، وموروثات الأجيال، لتعارض هذا المنهج وتقف في طريقه. والشر عارم. والباطل متبجح. والشيطان لئيم!

ومن ثم يتعين على حملة الإيمان وحراس المنهج أن يكونوا أقوياء ليغلبوا عملاء الشر وأعوان الشيطان. أقوياء في أخلاقهم، وأقوياء في قتال خصومهم على السواء. ويتعين عليهم أن يقاتلوا عندما يصبح القتال هو الأداة الوحيدة لضمان حرية الدعوة للمنهج الجديد، وحرية الاعتقاد به، وحرية العمل وفق نظامه المرسوم.

وهم يقاتلون في سبيل الله. .

لا في سبيل ذواتهم أو عصبيتهم من أي لون. .

عصبية الجنس وعصبية الأرض وعصبية العشيرة وعصبية البيت. . .

في سبيل الله وحده، لتكون كلمة الله هي العليا. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت