فَرَّجْت عَنِّي، فَفُرِّجَ عَنْهُ. وَرُوَيْمٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ رُفَقَاءِ الْجُنَيْدِ، فَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ، بَلْ الصُّوفِيَّةُ يَقُولُونَ إنَّهُ رَجَعَ إلَى الدُّنْيَا، وَتَرَكَ التَّصَوُّفَ، حَتَّى رُوِيَ عَنْ جَعْفَرٍ الْخُلْدِيِّ صَاحِبِ الْجُنَيْدِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَتَّمَ سِرًّا فَلْيَفْعَلْ كَمَا فَعَلَ رُوَيْمٌ، كَتَمَ حُبَّ الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقِيلَ: وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَلِيَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ الْقَاضِي قَضَاءَ بَغْدَادَ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ أَكِيدَةٌ فَجَذَبَهُ إلَيْهِ، وَجَعَلَهُ وَكِيلًا عَلَى بَابِهِ، فَتَرَكَ لُبْسَ التَّصَوُّفِ، وَلَبِسَ الْخَزَّ وَالْقَصَبَ وَالدَّيْبَقَى، وَأَكَلَ الطَّيِّبَاتِ وَبَنَى الدُّورَ، وَإِذَا هُوَ كَانَ يَكْتُمُ حُبَّ الدُّنْيَا مَا لَمْ يَجِدْهَا، فَلَمَّا وَجَدَهَا ظَهَرَ مَا كَانَ يَكْتُمُ مِنْ حُبِّهَا. هَذَا مَعَ أَنَّهُ رحمه الله كَانَ لَهُ مِنْ الْعِبَادَاتِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ، وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ دَاوُد. وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ صَاحِبِ حَالٍ، لَمْ يُفَكِّرْ فِي لَوَازِمِ أَقْوَالِهِ وَعَوَاقِبِهَا، لَا تَجْعَلُ طَرِيقَةً وَلَا تَتَّخِذُ سَبِيلًا، وَلَكِنْ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا لِصَاحِبِهَا مِنْ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَا مَعَهُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي مَعْرِفَةِ حُقُوقِ الطَّرِيقِ، وَمَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ، وَالرُّسُلُ صلوات الله عليهم أَعْلَمُ بِطَرِيقِ سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَهْدَى وَأَنْصَحُ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ سُنَّتِهِمْ وَسَبِيلِهِمْ كَانَ مَنْقُوصًا مُخْطِئًا مَحْرُومًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ كَافِرًا. وَيُشْبِهُ هَذَا {الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مَرِيضٌ كَالْفَرْخِ، فَقَالَ: هَلْ كُنْت تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: كُنْت أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْت مُعَذِّبُنِي بِهِ فِي الْآخِرَةِ فَاجْعَلْهُ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَا تَسْتَطِيعُهُ وَلَا تُطِيقُهُ، هَلَّا قُلْت: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} . فَهَذَا أَيْضًا حَمَلَهُ خَوْفُهُ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمَحَبَّتُهُ لِسَلَامَةِ عَاقِبَتِهِ، عَلَى أَنْ يَطْلُبَ تَعْجِيلَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ غَالِطًا. وَالْخَطَأُ وَالْغَلَطُ مَعَ حُسْنِ الْقَصْدِ وَسَلَامَتِهِ، وَصَلَاحِ الرَّجُلِ وَفَضْلِهِ، وَدِينِهِ وَزُهْدِهِ، وَوَرَعِهِ وَكَرَامَاتِهِ، كَثِيرٌ جِدًّا، فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ وَلِيِّ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا مِنْ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ، بَلْ وَلَا مِنْ الذُّنُوبِ، وَأَفْضَلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ بَعْدَ الرُّسُلِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لَهُ لَمَّا عَبَّرَ الرُّؤْيَا: {أَصَبْت بَعْضًا وَأَخْطَات بَعْضًا} . وَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ لَمَّا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ: لَوْ أَلْقَانِي فِي النَّارِ لَكُنْت بِذَلِكَ رَاضِيًا، أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النَّاسِ حَكَاهُ بِمَا فَهِمَهُ مِنْ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ: الرِّضَا أَنْ لَا تَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَلَا تَسْتَعِيذَهُ مِنْ النَّارِ. وَتِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا أَبُو سُلَيْمَانَ، مَعَ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ تَدُلُّ عَلَى عَزْمِهِ بِالرِّضَا بِذَلِكَ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَزْمَ لَا يَسْتَمِرُّ، بَلْ يَنْفَسِخُ، وَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَانَ تَرْكُهَا أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِهَا، وَأَنَّهَا مُسْتَدْرَكَةٌ، كَمَا اسْتَدْرَكَتْ دَعْوَى سَمْنُونٍ، وَرُوَيْمٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ بَيْنَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَتِلْكَ فَرْقًا عَظِيمًا، فَإِنَّ تِلْكَ الْكَلِمَةَ مَضْمُونُهَا أَنَّ مَنْ سَأَلَ الْجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ مِنْ النَّارِ لَا يَكُونُ رَاضِيًا. وَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ: أَنَا إذْ أَفْعَلُ كَذَا كُنْت رَاضِيًا، وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ: لَا يَكُونُ رَاضِيًا إلَّا مَنْ لَا يَطْلُبُ خَيْرًا، وَلَا يَهْرُبُ مِنْ شَرٍّ. وَبِهَذَا وَغَيْرِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا سُلَيْمَانَ كَانَ أَجَلَّ مِنْ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ، فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا سُلَيْمَانَ مِنْ أَجِلَّاءِ الْمَشَايِخِ وَسَادَاتِهِمْ، وَمِنْ أَتْبَعِهِمْ لِلشَّرِيعَةِ، حَتَّى إنَّهُ قَالَ:"إنَّهُ لَيَمُرُّ بِقَلْبِيِّ النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ الْقَوْمِ فَلَا أَقْبَلُهَا إلَّا بِشَاهِدَيْنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ"، فَمَنْ لَا يَقْبَلُ نُكَتَ قَلْبِهِ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ؟