فهذه واحدة. .
وزاده بسطة في العلم والجسم. .
وهذه أخرى. . والله (يؤتي ملكه من يشاء) . .
فهو ملكه، وهو صاحب التصرف فيه، وهو يختار من عباده من يشاء. .
(والله واسع عليم) . . ليس لفضله خازن وليس لعطائه حد. وهو الذي يعلم الخير، ويعلم كيف توضع الأمور في مواضعها. .
وهي أمور من شأنها أن تصحح التصور المشوش، وأن تجلو عنه الغبش. . ولكن طبيعة إسرائيل - ونبيها يعرفها - لا تصلح لها هذه الحقائق العالية وحدها. وهم مقبلون على معركة. ولا بد لهم من خارقة ظاهرة تهز قلوبهم، وتردها إلى الثقة واليقين:
(وقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت، فيه سكينة من ربكم، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة. إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) . .
وكان أعداؤهم الذين شردوهم من الأرض المقدسة - التي غلبوا عليها على يد نبيهم يوشع بعد فترة التيه ووفاة موسى - عليه السلام - قد سلبوا منهم مقدساتهم ممثلة في التابوت الذي يحفظون فيه مخلفات أنبيائهم من آل موسى وآل هارون. وقيل: كانت فيه نسخة الألواح التي أعطاها الله لموسى على الطور. . فجعل لهم نبيهم علامة من الله، أن تقع خارقة يشهدونها، فيأتيهم التابوت بما فيه (تحمله الملائكة) فتفيض على قلوبهم السكينة. . وقال لهم: إن هذه الآية تكفي دلالة على صدق اختيار الله لطالوت، إن كنتم حقا مؤمنين. .
ويبدو من السياق أن هذه الخارقة قد وقعت، فانتهى القوم منها إلى اليقين.
ثم أعد طالوت جيشه ممن لم يتولوا عن فريضة الجهاد، ولم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم من أول الطريق. .
والسياق القرآني على طريقته في سياقة القصص يترك هنا فجوة بين المشهدين. فيعرض المشهد التالي مباشرة وطالوت خارج بالجنود:
(فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر. فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني - إلا من اغترف غرفة بيده. فشربوا منه إلا قليلا منهم) . .
هنا يتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء هذا الرجل. .
إنه مقدم على معركة؛ ومعه جيش من أمة مغلوبة، عرفت الهزيمة والذل في تاريخها مرة بعد مرة. وهو يواجه جيش أمة غالبة فلا بد إذن من قوة كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة. هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة. الإرداة التي تضبط الشهوات والنزوات، وتصمد للحرمان