ومن ورائها جميعا تلك اليد الحكيمة المدبرة تمسك بالخيوط جميعا، وتقود الموكب المتزاحم المتصارع المتسابق، إلى الخير والصلاح والنماء، في نهاية المطاف. .
لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض. ولولا أن في طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها أن تتعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة، لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، فتنفض عنها الكسل والخمول، وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة، وتظل أبدا يقظة عاملة، مستنبطة لذخائر الأرض مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة. . وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء. .
يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة. تعرف الحق الذي بينه الله لها. وتعرف طريقها إليه واضحا. وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض. وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور النبيل، وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعة لله وابتغاء لرضاه. .
وهنا يمضي الله أمره، وينفذ قدره، ويجعل كلمة الحق والخير والصلاح هي العليا، ويجعل حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد القوة الخيرة البانية، التي استجاش الصراع أنبل ما فيها وأكرمه. وأبلغها أقصى درجات الكمال المقدر لها في الحياة.
ومن هنا كانت الفئة القليلة المؤمنة الواثقة بالله تغلب في النهاية وتنتصر. ذلك أنها تمثل إرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض، وتمكين الصلاح في الحياة. إنها تنتصر لأنها تمثل غاية عليا تستحق الانتصار.
وفي النهاية يجيء التعقيب الأخير على القصة:
(تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، وإنك لمن المرسلين) . .
تلك الآيات العالية المقام البعيدة الغايات (نتلوها عليك) . .
الله - سبحانه وتعالى - هو الذي يتلوها وهو أمر هائل عظيم حين يتدبر الإنسان حقيقته العميقة الرهيبة. . (نتلوها عليك بالحق) . .
تحمل معها الحق. ويتلوها من يملك حق تلاوتها وتنزيلها، وجعلها دستورا للعباد. وليس هذا الحق لغير الله سبحانه. فكل من يسن للعباد منهجا غيره إنما هو مفتات على حق الله، ظالم لنفسه وللعباد، مدع ما لا يملك، مبطل لا يستحق أن يطاع. فإنما يطاع أمر الله. وأمر من يهتدي بهدى الله. . دون سواه. .
(وإنك لمن المرسلين) . .
ومن ثم نتلو عليك هذه الآية؛ ونزودك بتجارب البشرية كلها في جميع أعصارها؛ وتجارب الموكب الإيماني كله في جميع مراحله، ونورثك ميراث المرسلين أجمعين. .