ويعتبر هذا الكتاب أهم كتبه الأخلاقية وأطرفها وأكملها ونظرًا لأن ابن مسكويه كان أديبًا شاعرًا يحذق العربية والفارسية على السواء، فإن أسلوبه فيه يمتاز بالسلاسة والرقة والعذوبة على غير عادة الفلاسفة الإسلاميين , وقد أعجب (الطوسي) به كل الإعجاب فترجمه إلى الفارسية وقال عنه:
بنفسي كتاب حاز كل فضيلة ... وصار لتكميل البرية ضامنا
مؤلفه قد أبرز الحق خالصًا ... بتأليفه من بعد ما كان كامنا
ووسمه باسم الطهارة قاضيًا ... به حق معناه ولم يك مائنا
لقد بذل المجهود لله دره ... فما كان في نصح الخلائق خائنا
والكتاب بعد هذا ست مقالات تدور كما قلنا حول الأخلاق الإيجابية للإنسان، أي الأخلاق التي تليق به من حيث هو حيوان ناطق. ولذلك نراه يفرق في المقالة الأولى بين النفس والجسد تفريقًا يثبت به روحانية الأولى وخلودها واحتياج قواها المختلفة إلى كمال خاص يتفق وما فيها من عقل مسيطر وفكر مقدس. ونراه يتناول في الثانية خلق الإنسان وقابليته للتغير والتهذيب ومدى أثر المعرفة في العمل الخلقي، ويتأدى من ذلك إلى (المنزلة الرفيعة) الجديرة بالإنسان وماذا عسى أن يعوقنا عنها. أما المقالة الثالثة فلا تتناول غير موضوع السعادة بالبسط والمناقشة والعرض. وأما المقالة الرابعة فتحدد الأعمال الخلقية وتميزها عن غيرها وتنتهي بنا إلى المقالة الخامسة التي يبسط فيها أنواع المحبة بوجه عام ومحبة الصديق على الخصوص. وأخيرًا تأتي المقالة السادسة لتبين لنا طريق حفظ الصحة على النفس ومعالجتها إذا مرضت
ويطول بنا المقام إذا أردنا أن نبين وجه الطرافة والجمال والأنساق في هذه المقالات البعيدة في منهجها عن منهج الدينيين - (كالبصري في كتاب أدب الدنيا والدين) -، والمعتمدة في طريقتها على الاستقراء العلمي الدقيق الذي (يكاد) ينطق بالتطور، والذي يرسل البصر في الكون كله ويحدد للإنسان ماهيته وعمله فيه!
أما مصادره في ذلك الكتاب فهي تلك الثقافة الخلقية الواسعة التي استمدها من الأمم الأربع، والتي يلوح فيها القرآن متفقًا مع أرسطو وأفلاطون وجالينوس وغيرهم من حكماء اليونان على الخصوص.