تلك حقائق مرة لها خطورتها الكبرى في عملية التربية كما قلنا، وهناك من الحقائق غيرها ملا يتسع المجال لذكره أو ما لا يليق به أن يذكر!!، ولما كانت التربية الصحيحة شيئًا آخر غير حشو العقول بالكتابة والقول، وتنفير القلوب بالجمود واليأس، وتشويه الشخصية بالجهل والحمق، فمن الخير أن نتلمس بعض أسباب هذه الحقائق علنا نستطيع أن نجد لها علاجًا.
أتعرف ماذا هو عمل المعلم في المدارس الثانوية على وجه الخصوص؟ أتعرف أنه دروس تُحضّر، وحصص تُدرّس، وكراسات تصحّح، ثم أعمال إدارية أو كتابية بغيضة يملأ فيها الأستاذ الكشوف بالأرقام المجموعة وغير المجموعة، ثم ينقلها إلى كشف آخر وكشوف أُخرى، ثم يبعث بها ثلاث مرات في العام إلى أولياء الأمور كما لو كان كاتبًا يسجل ويجمع ويكتب كل شيء حتى العنوان؟؟
ثم أتعلم ما هو قدره في عين الدولة والمجتمع بعد كل هذا العناء الذي يبذلهُ ليل نهار، ومع خطورة وشرف المهنة التي ينسب إليها؟؟
لعلك تدري أن قدره في عين المجتمع دون رجل العدالة أو رجل الطب بكثير؟ هذا ينطق بالحق وذاك يشفي الجسم، أما هو فماذا يفعل غير إلقاء الدروس؟ وعسير عليك جدًا أن تفهم الناس أن التعليم قد يغنينا عن القاضي أو الطبيب دون أن يغني كل من هذين عن الأستاذ. وعسير عليك جدًا أن تدخل في الأذهان أن صاحبنا يبني وينشئ انفسًا وعقولًا كما قال أمير الشعراء.
ثم لعلك تدري أن قدره في عين الدولة كان وما يزال دون قدر رجال القضاء وغير رجال القضاء؟ وأين المسكين من أولئك وهؤلاء؟ ألم يخطب يومًا أحد الزعماء ليعبر عن جماعة المعلمين بعثار الجد وسوء الفعل كما لو كانوا جماعة من العمال أو الزراع؟ أولم يرتفع صوت المعلمين مدويًا طالبًا المساواة والإنصاف دون أن تستجيب له الحكومات بتلك السرعة وهذه الأريحية التي تستجيب بهما لرجال القضاء أو النيابة أو المحاماة؟ أولا ينظر المعلم اليوم إلى زميله بالأمس في الدراسة الثانوية فيجده في مجال القضاء يقفز القفزات، أو في ميدان الجيش يتناول (العلاوات) ، وهو هو في فناء المدرسة تمضي عليه السنون في الدرجة الواحدة، وتتسع الهوة المالية والاجتماعية بينه وبين زميله هذين، إلى حد يخيل إليه