وبرزا من صفوف العامة وهما جورج وشنجطون وأبراهام لنكولن؛ أما أولهما فيرفع القواعد ويقيم الصرح، وأما الثاني فيمسكه أن ينهار؛ وتكون بذلك عظمة أمريكا عظمة ذات أصالة إذ لم تنشا عن تقليد أو تستند إلى مهرج من سلطان زائف، ويكون صرحها كالجبل الذي هو من أوتاد الأرض، لا كالبناء الذي يقوم على أسس يجوز عليها أن تجتث من وفق الأرض. . .
ومضت الأيام تسير بابن الغابة سيرًا معجلًا وثيقًا ليؤدي رسالته، ولعله اشرف من حاضره على ما يعده له الغد القريب. اجل لعله أخذ يدرك أن مسألة العبيد مفضية حتما إلى خطوة واسعة يخطوها غدًا فيحس بعدها أنه ترك في تاريخ بلاده ما تذكره به الأجيال. أقرأ كتابه إلى صديقه سبيد تقع فيه على رأيه وتتبين كثيرا مما كان يجول في نفسه، قال: (في عام 1841 قمنا معًا برحلة مملة على صفحة ماء منخفض في قارب بخاري من لوسفيل إلى سان لويس، ولعلك تذكر كما أذكر أنه كان على ظهر القارب عشرة أو اثنا عشر عبدًا مقرنين في الحديد. ولقد كان هذا المنظر مبعث عذاب مستمر لي، وإني أبصر شيئًا مثله كلما لمست نهر الأهايو أو أي جهة من جهات العبيد. وخلاف الجميل منك يا صديقي أن ترى في أني لا اهتم بالشيء الذي ينطوي على قوة تكربني والذي لا يفتأ يسبب لي الكرب. لقد كنت حربًا أن تتبين إلى أي حد يقتل سواد الناس في الشمال مشاعرهم حتى يستطيعوا أن يحتفظوا بولائهم للدستور وللوحدة)
في هذه الكلمة القصيرة، ينجلي لنا رأيه في مسالة العبيد فهي مبعث آلم في نفسه، ألم استقر فيها منذ القدم فما يبرحها، وهو على الرغم من هذا الألم يحرص على الوحدة وعلى الدستور وفي ذلك تلخيص دقيق لمنهاجه الذي سيأخذ به نفسه حين يهم أن يهوي بالضربة الحاسمة فهو ضنين بالوحدة أن تتزلزل كما هو حريص أن يمحو كل اثر للعبودية في البلاد. . .
لن يضيره اليوم ألا يصل إلى مقعد في مجلس الشيوخ بل ربما كان الشر في أن يظفر بهذا المقعد، فلقد كانت له بعد فشله جولات لها خطرها في حياته، جولات تنتهي به حتما إلى رياسة الجمهورية فلم يبق ثمة على الدرب إلا مرحلة. . .
وكثيرًا ما يبتئس المرء إذا فاتته فرصة كأنما أغلقت بفواتها مسالك الفوز من دونه، وهو لا